يشير الأستاذ العقاد إلى أنه من قديم الزمان رغب الناس فى العلم بالغيب واستطلاع المجهول، وفقًا لعلامات كثيرة كزجر الطير والتفاؤل والتشاؤم بعلامات أو بكلام، بيد أن الرغبة فى استطلاع الغيب ومواجهة المجهول لم تكن كلها من هذا القبيل .
ومن قديم الزمن أيضًا وجد الكاهن «المختص» ووجد «الرائى» الملهم المزعوم أن الله يختاره للنطق بلسانه والجهر بوعده ووعيده، ومع انتحال الرائين حالة الوجد أو الانجذاب أو الصرع، كان الكهان هم الموكل إليهم التفسير وحل الرموز، وكانوا يسمون الصرع بالمرض الإلهى .
ولكن الفرق بين الرائى والكاهن لم يبق ملحوظًا فى الأزمنة المتأخرة كما كان ملحوظًا فى الأزمنة الغابرة، وجعل العملان يصطدمان كثيرًا بعد ارتقاء الديانة .
وقد وجدت الكهانة والرؤية بين العبرانيين من أقدم عصورهم كما وجدت فى سائر الأمم، ولم يسموا الرائى عندهم باسم النبى إلاَّ بعد اتصالهم بالعرب فى شمال الجزيرة، لأن اللغة العربية غنية جدًا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة وما إليها .
النبوَّة والجنون
عرف الأقدمون من العرب والعبرانيين كلمة النبوة قبل بعثة موسى عليه السلام، ولكنها لم ترتفع بينهم إلى مكانتها الجليلة التى نعرفها اليوم دفعة واحدة، وظلوا دهرًا طويلاً يخلطون بينها وبين كل علاقة بالغيب، وخلطوا بينها وبين الجنون، كما خلطوا بينها وبين السحر والكهانة والتنجيم والشعر، وأضعف من شأن النبوة لدى بنى إسرائيل خاصة أن الأنبياء بينهم كثروا وتعددت نبوءاتهم، وأحيانًا فى الوقت الواحد، فتناقصوا وأقر بعضهم ما ينهى عنه آخرون، فصاروا عندهم فريقين يتشابهون فى المظهر ويختلفون فى الرأى والصدق، مع تعذر الفرز بين الصدق والكذب، وغلبت عندهم عقيدة شائعة بذهول النبى وغيابه عن الوعى فى جميع أيامه أو فى أيام الوجد .
ويؤخذ من سفر صموئيل الأول أن المتنبئين كانوا يظهرون جماعات جماعات، وجرى الحديث فى ذات السفر عن أن الأنبياء يأتون «زمرة ».
وعلى ما كان يعتريهم من حيرة من تعدد النبوءات، لم يكن بهم غنى عن النبى الصادق الذى يحذرهم غضب الله ويبلغهم مشيئته ويملى عليه فرائضه وأحكامه .
وعلى هذا انقسم المتنبئون لديهم أقسامًا ثلاثة : نبى يتكلم باسم الرب، ونبى يتكلم باسم آلهة أخرى، ونبى يتكلم باسم رب إسرائيل ولكنه يطغى بما فى قلبه على وحى ربه، فيخلط بين ما يقوله هو بلسانه وبين ما يجريه الله على لسانه ليبلغه إلى قومه .
نبوءة الأحلام والرؤى
ومن الحق فيما يرى الأستاذ العقاد، أن يذكر أن المتنبئين لم يتطلعوا جميعًا إلى مكان النبوة العليا نبوة القيادة والتعليم والتشريع. ولم تكن نبوة الكثيرين منهم مستمدة من شىء غير الأحلام والرؤى وجيشان الشعور، ويذكر الأستاذ العقاد أمثلة لذلك من سفر أرميا، ومن سفر صموئيل، ومن سفر دانيال، ومن سفر أشعياء .
ويذكر أن الأنبياء الكبار خشوا على الشعب خطر المعجزات والآيات التى يدعيها المتنبئون، لأنهم عرفوا عجائب السحر فى مصر وبابل وأشفقوا من فتنتها على عقول السواد .
دليل الأمان
إن مهمة النبوة كما قام بها الأنبياء الكبار هى أعلى ما ارتفع إليه نظر الأقدمين من بنى إسرائيل وغيرهم إلى مقام النبوة، فقد كانوا يعولون عليهم ويطلبون منهم ما لم يطلبوه قط من ذى ثقة أو مقدرة بينهم، فانتهت بهم هذه المطالب كافة إلى غاية واحدة: وهى أن النبى «دليل أمان». يقبلون منه التعليم والهداية، ويطلبون منه هدايته لأنها دليلهم إلى الطريق الأمين، ويستمعون له فيما يبلغهم به من أوامر الله ونواهيه .
ويجب عليه فى نظرهم قبل كل شىء أن يعرف الغيب ليعرف الخطر المتوقع، وربما ليكشف لهم ما يريدون معرفته .
ولبثت مهمة النبى عندهم معلقة على دلالة الأمان فى المكان المجهول والزمان المجهول، ولكنها دلالة الأمان من أخطار محسوسة .
ولم يبلغ أحد من أنبياء بنى إسرائيل مكانة أعلى من مكانة يعقوب الذى إليه يُنسب بنو إسرائيل، أو موسى الذى يدينون له بالشريعة، ثم صموئيل وحزقيال وأرميا من أصحاب النبوءات غير المشترعين .
قد كان الإنباء بالغيب هو المهمة الأولى من مهام هذه الطبقة ليذكروا مصائر أفراد معلومين إلى جانب مصير الأمة .
(يتبع)
Email: [email protected]
www.ragai2009.com
ومن قديم الزمن أيضًا وجد الكاهن «المختص» ووجد «الرائى» الملهم المزعوم أن الله يختاره للنطق بلسانه والجهر بوعده ووعيده، ومع انتحال الرائين حالة الوجد أو الانجذاب أو الصرع، كان الكهان هم الموكل إليهم التفسير وحل الرموز، وكانوا يسمون الصرع بالمرض الإلهى .
ولكن الفرق بين الرائى والكاهن لم يبق ملحوظًا فى الأزمنة المتأخرة كما كان ملحوظًا فى الأزمنة الغابرة، وجعل العملان يصطدمان كثيرًا بعد ارتقاء الديانة .
وقد وجدت الكهانة والرؤية بين العبرانيين من أقدم عصورهم كما وجدت فى سائر الأمم، ولم يسموا الرائى عندهم باسم النبى إلاَّ بعد اتصالهم بالعرب فى شمال الجزيرة، لأن اللغة العربية غنية جدًا بكلمات العرافة والعيافة والكهانة وما إليها .
النبوَّة والجنون
عرف الأقدمون من العرب والعبرانيين كلمة النبوة قبل بعثة موسى عليه السلام، ولكنها لم ترتفع بينهم إلى مكانتها الجليلة التى نعرفها اليوم دفعة واحدة، وظلوا دهرًا طويلاً يخلطون بينها وبين كل علاقة بالغيب، وخلطوا بينها وبين الجنون، كما خلطوا بينها وبين السحر والكهانة والتنجيم والشعر، وأضعف من شأن النبوة لدى بنى إسرائيل خاصة أن الأنبياء بينهم كثروا وتعددت نبوءاتهم، وأحيانًا فى الوقت الواحد، فتناقصوا وأقر بعضهم ما ينهى عنه آخرون، فصاروا عندهم فريقين يتشابهون فى المظهر ويختلفون فى الرأى والصدق، مع تعذر الفرز بين الصدق والكذب، وغلبت عندهم عقيدة شائعة بذهول النبى وغيابه عن الوعى فى جميع أيامه أو فى أيام الوجد .
ويؤخذ من سفر صموئيل الأول أن المتنبئين كانوا يظهرون جماعات جماعات، وجرى الحديث فى ذات السفر عن أن الأنبياء يأتون «زمرة ».
وعلى ما كان يعتريهم من حيرة من تعدد النبوءات، لم يكن بهم غنى عن النبى الصادق الذى يحذرهم غضب الله ويبلغهم مشيئته ويملى عليه فرائضه وأحكامه .
وعلى هذا انقسم المتنبئون لديهم أقسامًا ثلاثة : نبى يتكلم باسم الرب، ونبى يتكلم باسم آلهة أخرى، ونبى يتكلم باسم رب إسرائيل ولكنه يطغى بما فى قلبه على وحى ربه، فيخلط بين ما يقوله هو بلسانه وبين ما يجريه الله على لسانه ليبلغه إلى قومه .
نبوءة الأحلام والرؤى
ومن الحق فيما يرى الأستاذ العقاد، أن يذكر أن المتنبئين لم يتطلعوا جميعًا إلى مكان النبوة العليا نبوة القيادة والتعليم والتشريع. ولم تكن نبوة الكثيرين منهم مستمدة من شىء غير الأحلام والرؤى وجيشان الشعور، ويذكر الأستاذ العقاد أمثلة لذلك من سفر أرميا، ومن سفر صموئيل، ومن سفر دانيال، ومن سفر أشعياء .
ويذكر أن الأنبياء الكبار خشوا على الشعب خطر المعجزات والآيات التى يدعيها المتنبئون، لأنهم عرفوا عجائب السحر فى مصر وبابل وأشفقوا من فتنتها على عقول السواد .
دليل الأمان
إن مهمة النبوة كما قام بها الأنبياء الكبار هى أعلى ما ارتفع إليه نظر الأقدمين من بنى إسرائيل وغيرهم إلى مقام النبوة، فقد كانوا يعولون عليهم ويطلبون منهم ما لم يطلبوه قط من ذى ثقة أو مقدرة بينهم، فانتهت بهم هذه المطالب كافة إلى غاية واحدة: وهى أن النبى «دليل أمان». يقبلون منه التعليم والهداية، ويطلبون منه هدايته لأنها دليلهم إلى الطريق الأمين، ويستمعون له فيما يبلغهم به من أوامر الله ونواهيه .
ويجب عليه فى نظرهم قبل كل شىء أن يعرف الغيب ليعرف الخطر المتوقع، وربما ليكشف لهم ما يريدون معرفته .
ولبثت مهمة النبى عندهم معلقة على دلالة الأمان فى المكان المجهول والزمان المجهول، ولكنها دلالة الأمان من أخطار محسوسة .
ولم يبلغ أحد من أنبياء بنى إسرائيل مكانة أعلى من مكانة يعقوب الذى إليه يُنسب بنو إسرائيل، أو موسى الذى يدينون له بالشريعة، ثم صموئيل وحزقيال وأرميا من أصحاب النبوءات غير المشترعين .
قد كان الإنباء بالغيب هو المهمة الأولى من مهام هذه الطبقة ليذكروا مصائر أفراد معلومين إلى جانب مصير الأمة .
(يتبع)
Email: [email protected]
www.ragai2009.com