لم يسبق لحاكم أن كان بمثل هذه المصارحة الصادمة، ربما باستثناء «نهرو»، كالتى تحدث بها الرئيس المصرى 31 يناير الماضى عبر مداخلته مع أحد البرامج التليفزيونية ذات النهج المعارض، عن حق أو بدونه، ذلك حين صرح بأننا «بقايا دولة» نعيش منذ نصف قرن على أشلائها، مشيرًا إلى هزيمة 1967، وهى التى لمن لم يعاصرها.. قد أصابت الكبرياء الوطنى - فى أوج زهوه، حقا أو اصطناعًا، بجرح بالغ لم يتداوَ منه إلى الآن، لسبب بسيط، وهو أن العوامل التى أدت إلى الهزيمة ما زالت قائمة، كما أن الروح التى انبثقت لتحقق الثأر الجزئى فى 1973.. سرعان ما تبددت لم يبق منها غير أطلال صنم يُطاف حوله فى ذكراه السنوية، وإذ بالقبضة التى حافظت على مؤسسات الدولة من التفكك بعد «النكسة».. ترتخى، مع تعثر البناء على مكتسبات النصر غير المسبوق فى تاريخ مصر المعاصر، لأسباب تتعلق بتأليه الزعيم من ناحية.. وبفقدان الرؤية من ناحية أخرى لما يتصل بالإصلاح الاقتصادى والمؤسسى، كما للثقة الزائدة فى الوعود الأميركية - الإسرائيلية التى سرعان ما تبخرت معها أوهام السلام الشامل.. والرخاء، ولينحدر المنحنى البيانى للدولة إلى أقرب ما يكون إلى سفح مستويات التقدم.. عنها من الصعود المفترض المأمول، ما أدى إلى انتفاضات واعتصامات واغتيالات غير مسبوقة.. تعبيرًا عن سخط جماهيرى مطرد.. إزاء تواضع طموحات وآمال الطبقة السياسية الحاكمة وضيق أفقها Simple mind إلا فيما يتعلق بمكتسباتها الشخصية الضيقة، ولينتهى الحال بأشلاء الدولة إلى ثورة جماهيرية «منتكسة» فى 2011 إلى توابعها الفوضوية المثيرة للجدل لخمس سنوات تالية، صنعت خلالها أبطالاً مزيفين من نشطاء وإعلامين وسياسين «هواة».
إلى ذلك يتساءل المصريون.. ماذا بعد؟ لكن دون جهد كافٍ موازٍ لمعالجة آثار الحالة الكارثية لخمسة عقود خلت.. ولا للتغلب على حجم التحديات الصعبة الطارئة التى تواجهها البلاد فى السنوات الأخيرة، ربما اكتفاء منهم بانتظار ما يجود به «ولى النعم» من فرمانات اعتادوا الخضوع لنواهيها عبر قرون مضت، إلا أنه يبدو أن طول الكبت والقهر من طغيان الداخل وسطوة الخارج.. ولّدت لدى الجماهير بموازاة ارتجالية الثورة، ثقافة سياسية، وهو أمر إيجابى بطبيعة الحال، لو تشوشها.. إذ تنقصها الدربة والممارسة.. من حيث تعظتم الإخفاقات على حساسيتها.. وتسفيه الإنجازات على ندرتها، ناهيك عن ممارسة جلد الذات بالانتقال من إحباط لإحباط.. دون محاولة إيجاد إجابات محددة منتظمة.. تستكشف طريق المستقبل إلى الغد الأفضل المنشود.
وفى خضم تلك التحديات لشعب لم يتعود لأمد طويل على المشاركة السياسية عبر عهود سابقة مختلفة، فمن الصعوبة بمكان سواء للنخبة أو العامة.. الاستقرار على أنسب المعالم لعهد جديد، ربما يكون خليطا أو لا يكون.. بين أنظمة سياسية قادت البلاد والعياد طوال قرن مضى، من ليبرالية غير مكتملة قبل 1952 (مجتمع النصف فى المائة) إلى الشمولية الأوتقراطية لستة عقود تالية.. ما بين التنظيم السياسى الواحد إلى الحزب المهمين إلى التمسح أحيانا بديكورات ديمقراطية خالية المضمون، إلا أن العهد القادم على الأرجح لن يكون إلا متسقا مع الأهداف التى ثارت الجماهير من أجل تحقيقها قبل خمس سنوات، وليعاد من خلاله التوازن النفسى والاجتماعى لطبقات شعبية مسحوقة.. ومن ثم بأن يباشر لملمة ما تبعثر من «أشلاء الدولة».. ويحول دون المزيد من تفككها وتدهور «بقاياها».. ذلك فى ظل دستور محكم ومؤسسات فاعلة ورقابة شعبية يقظة.. لا تغفل كما فى الماضى القريب والبعيد عن محاولات إنتاج الاستبداد مجددًا.. أو هيمنة الطبقة الأوليجاركية مرة أخرى، وليس آخرًا فى الاعتماد على قيادات تنفيذية سبق أن جُرِّب عليها الصدق والجدية والشرف، إذ عندئذ سوف تقبل الجماهير المشاركة بالعرق والدم والدموع.. لتنفيذ واستكمال رؤى متكاملة للإصلاح.. تكون عابرة للحدود الفاصلة بين التخصصات المختلفة، مع الحذر كل الحذر من استسهال اللجوء إلى نسخ تجارب عهود سابقة.. إذ سوف تحمل عندئذٍ فى طياتها نذير آزمات أشد وطأة من سابق الخطوب التى مرت بمصر، وما تزال - لأسبابها - «بقايا دولة».
إلى ذلك يتساءل المصريون.. ماذا بعد؟ لكن دون جهد كافٍ موازٍ لمعالجة آثار الحالة الكارثية لخمسة عقود خلت.. ولا للتغلب على حجم التحديات الصعبة الطارئة التى تواجهها البلاد فى السنوات الأخيرة، ربما اكتفاء منهم بانتظار ما يجود به «ولى النعم» من فرمانات اعتادوا الخضوع لنواهيها عبر قرون مضت، إلا أنه يبدو أن طول الكبت والقهر من طغيان الداخل وسطوة الخارج.. ولّدت لدى الجماهير بموازاة ارتجالية الثورة، ثقافة سياسية، وهو أمر إيجابى بطبيعة الحال، لو تشوشها.. إذ تنقصها الدربة والممارسة.. من حيث تعظتم الإخفاقات على حساسيتها.. وتسفيه الإنجازات على ندرتها، ناهيك عن ممارسة جلد الذات بالانتقال من إحباط لإحباط.. دون محاولة إيجاد إجابات محددة منتظمة.. تستكشف طريق المستقبل إلى الغد الأفضل المنشود.
وفى خضم تلك التحديات لشعب لم يتعود لأمد طويل على المشاركة السياسية عبر عهود سابقة مختلفة، فمن الصعوبة بمكان سواء للنخبة أو العامة.. الاستقرار على أنسب المعالم لعهد جديد، ربما يكون خليطا أو لا يكون.. بين أنظمة سياسية قادت البلاد والعياد طوال قرن مضى، من ليبرالية غير مكتملة قبل 1952 (مجتمع النصف فى المائة) إلى الشمولية الأوتقراطية لستة عقود تالية.. ما بين التنظيم السياسى الواحد إلى الحزب المهمين إلى التمسح أحيانا بديكورات ديمقراطية خالية المضمون، إلا أن العهد القادم على الأرجح لن يكون إلا متسقا مع الأهداف التى ثارت الجماهير من أجل تحقيقها قبل خمس سنوات، وليعاد من خلاله التوازن النفسى والاجتماعى لطبقات شعبية مسحوقة.. ومن ثم بأن يباشر لملمة ما تبعثر من «أشلاء الدولة».. ويحول دون المزيد من تفككها وتدهور «بقاياها».. ذلك فى ظل دستور محكم ومؤسسات فاعلة ورقابة شعبية يقظة.. لا تغفل كما فى الماضى القريب والبعيد عن محاولات إنتاج الاستبداد مجددًا.. أو هيمنة الطبقة الأوليجاركية مرة أخرى، وليس آخرًا فى الاعتماد على قيادات تنفيذية سبق أن جُرِّب عليها الصدق والجدية والشرف، إذ عندئذ سوف تقبل الجماهير المشاركة بالعرق والدم والدموع.. لتنفيذ واستكمال رؤى متكاملة للإصلاح.. تكون عابرة للحدود الفاصلة بين التخصصات المختلفة، مع الحذر كل الحذر من استسهال اللجوء إلى نسخ تجارب عهود سابقة.. إذ سوف تحمل عندئذٍ فى طياتها نذير آزمات أشد وطأة من سابق الخطوب التى مرت بمصر، وما تزال - لأسبابها - «بقايا دولة».