برلمان «اللى بعده»!

برلمان &laquo;اللى بعده&raquo;!<br /> <div><span style="line-height: 18.5714px;"><br /> </span></div>

يحكى أن قاضيا منقولا لأحد بنادر الأقاليم اشتهر بأنه اعتاد أن يحضر لمحكمته بقطار الصباح الباكر كى يقوم بعقد جلسته فى أسرع وقت ممكن ليلحق بقطار العودة للقاهرة فى الحادية عشرة صباحا.

ولأن «رول» الجلسةعادة ما يحتوى على مئات من القضايا، فقد اعتاد قاضينا الهمام على أن يدير جلسته بإيقاع خاص لا يتغير؛ فما أن يفتتح الجلسة ويبدأ الحاجب النداء على القضايا حتى يتوالى شريط الأحداث كالتالى: نداء مقتضب من الحاجب على رقم القضية.. ثم جملة أو جملتان مختصرتان من القاضى بمنطوق الحكم أو بقرار التأجيل يختتمهما دائما بعبارة «اللى بعده».. لينطلق الحاجب من جديد مناديا على رقم القضية التالية.. وهكذا حتى ينتهى الرول المكتظ بمئات الدعاوى فى مدة لا تتجاوز ساعتين من الزمان.

ولأن قاضينا لم يكن يستطيع أن يخفى علامات التبرم والضيق من محاولات بعض المحامين الترافع أو مناقشته فى بعض الأمور المتعلقة بالدعاوى المنظورة مما يهدد بتأخره عن قطاره «الحبيب»، فقد أطلق عليه هؤلاء «المحامون المشاكسون» لقب: «قاضى اللى بعده»..

وكفيروس أنفلونزا الطيور الذى توالت مؤخرا أنباء تقافزه من محافظة لأخرى، يبدو أن عدوى «اللى بعده» قد انطلقت، هى أيضا، من ساحات القضاء لتخترق.. وتنتشر.. وتتوغل.. وتستفحل تحت قبة برلماننا الوليد..

فعلى مدى الأسبوع الماضى تابعنا كيف استطاع نوابنا «النشطاء» مع بداية كل جلسة أن يتوكلوا على الله و«يدوها أمباليه» (على طريقة مطربنا الشعبى الأصيل سعيد الهوا مع موتسيكله) فيديرون «عجلة الإنتاج التشريعى» بأقصى سرعةعرفها التاريخ، فلا يأخذ "أجعصها" قانون فى التصويت عليه إلا بضعة دقائق.. واللى بعده..واللى بعده..واللى بعده.. غير عابئين بسفاسف القول التى يطلقها بعض «المزايدين» و«المتفيقهين» الذين يدعون أن الطريقة التى ناقش بها المجلس القرارات الرئاسية بقوانين تهدد بحدوث انهيار تشريعى وسياسى بالبلاد، و ذلك لأن الدستور تطلب مناقشة القوانين قبل إقرارها، ولائحة المجلس تشترط أن تكون مناقشة القرارات الرئاسية بقوانين بنفس إجراءات مناقشة المشروعات بالقوانين فى الأوقات العادية، كما تشترط أولاً الموافقة على القانون من حيث المبدأ ثم الموافقة على مواده مادة مادة مناقشة وتصويتًا (راجع تصريحات الفقيه الدستورى نور فرحات)..

لكن بالطبع فإن هذه "الفذلكة القانونية" ما كان لها أن تعطل مجلسنا المقدام من تحقيق رقم قياسى عالمى جديد فى سرعة إقرار القوانين، حيث ناقش وأقر 284 قانونا خلال يومى العمل الأولين فقط !! وهو رقم يستحق أن يسجل،وبجدارة، فى صدارة موسوعة جينس العالمية.

لكن.. ولأن كل «أمباليه» لابد أن يتولد عنه «اتنين فرقعة فى الشوكمان ورا» (راجع معلقة سعيد الهواالخالدة )، فكان لابد لنا من أن نستمتع بمشاهد فنتازيا غير مسبوقة ستخلدها حتما أفلام المستقبل الكوميدية (والمأسوية أيضا)، كالمشهد العبثى لبرلماننا المجيد وهو يقر القانون وعكسه!! وذلك عندما صوت على قانون يفرض التوقيت الصيفى ليقوم بعدها بقليل بالتصويت على قانون يلغى التوقيت الصيفى!!..

أو عندما رأينا نوابنا الكرام يصوتون تباعا على قانونين هما فى حقيقتهما قانون واحد باختلافات طفيفة دون أن ينتبه العديد منهم لذلك، كما حدث مع قانون رقم 139 لسنة 2014 بإنشاء صندوق تحيا مصر وصدر فى نوفمبر 2014، ثم التصويت على القانون رقم 84 لسنة 2015 والذى يختص هو أيضا بإنشاء صندوق تحيا مصر!! )..

وبالطبع فلا يمكننا أن ننسى المشهد الأسطورى الذى لابد أن التاريخ البرلمانى العالمى سيخلده؛ مشهد نائب من نوابنا المحترمين وهو يعلق على أحد القوانين قائلا: «أوافق على القانون.. رغم علمى أنه غير دستورى !!»..

رغم علمك أنه غير دستورى!!..

طيب.. سيبك انت من الهوسة دى كلها.. واديها أمباليه.

حافظ هريدى