فى مدينة العـقاد .. لا شيوعية ولا استعمار (142)

فى مدينة العـقاد .. لا شيوعية ولا استعمار (142)<br />

العنصرية

فى القارة الآسيوية بضع عشرة أمة صغيرة يتراوح عدد كل منها من مليون إلى خمسة عشر مليونا، كلهم فى الأصل ترك طورانيون يدينون بالإسلام على المذهب السنى، ويتكلمون لهجات من اللغة التركية يفهمونها جميعا بكتابة واحدة، ولا يصعب على أحدهم أن يتفاهم بها مع أبناء الأقاليم الأخرى.

ولكن القيصرية الشيوعية تمزّقها فى حدودها فيما يقول العقاد أجزاء مبعثرة لا يجتمع جار منها مع جار، ولا يقبل من أحدها أن يذكر له أصلاً جامعًا ينتمون إليه باللغة والسلالة.

والعمل على محو معالم القومية فى هذه الشعوب، وقطع علاقتها بتراث اللغة والتاريخ هو زبدة المبادئ التى تتبناها وتعلنها قرارات الحزب وتذيعها الصحف الرسمية.

وقد سلك المستعمرون الحمر مسلك جميع المستعمرين فى تخدير ضحاياهم بالوعود الكاذبة وتغريرهم بزخارف الأباطيل. وقد أعلنوا أوائل أيام الانقلاب الشيوعى بلاغًا طنانًا أكدوا فيه للشعوب الآسيوية الإسلامية بصفة خاصة، أن كل شعب منها آمن من اليوم على حريته التامة ومعتقداته وشعائره ومقومات العرف واللغة، وبشّروه بزوال الحكم القيصرى وزوال الطغيان إلى غير رجعة.

ولكن ما إن استقرت الدولة الجديدة حتى عادت القيصرية (الاستبدادية) فى أشنع صورها وحل الخوف والرهبة محل الأمان الموعود. وقد تساوى فى هذا الاضطهاد جميع الشعوب الإسلامية من كان منهم فى الأقاليم الأوروبية أو فى الأقاليم الآسيوية.. القريبة أو الوسطى. وصدرت الأوامر فى «القرم» بتقسيم اللغة التى يتكلمها «القرميون» إلى ثلاث لهجات وضبط كتابتها حسب الأبجدية الروسية لا على حسب الأبجدية العربية، ونادى وزير المعارف بتطهير هذه اللهجات وإدخال الكلمات الروسية فى موضع الكلمات المحذوفة، وسط حملة شاملة لتجريف اللغة فى الدواوين والمنشورات والمصالح، وإحلال الروسية محلها.

وحلت اللعنة بالأدباء الذين كانوا يُذْكرون فى أوطانهم بالثناء، وسيقت هذه الأمم غير الروسية لإعلان ولائها للدولة المستعمرة وسخطها على دعاة التجديد والإحياء فى الحركة الوطنية.

وتعقب النقاد الرسميون أناشيد البطولة والوطنية فى الأمم الخاضعة للدولة المستعمرة فوصموها بخبث النزعة وسوء الطوية، وبأنها أشد أعراض الجامعة الإسلامية عداوة.

وفى سنة 1940 منح مجلس الوزراء جائزة الدولة للمؤرخ «ريبا كوف» لأنه زعم فى كتابه عن صناعات روسيا القديمة أن روسيا كانت مصدر المعارف الصناعية التى انتقلت منها إلى الغرب.

● ● ●

وهكذا صارت المبادئ التى يروجها سماسرة الاستعمار الأحمر ويدمغون فيها الوطنية بأنها بغيضة والبرجوازية بأنها عنصرية صارت «قطع محفوظات» يُرغَم الجميع على حفظها وترديدها والتغنى بها وبمفاخرها، وشجب ما يعارضها، وبلغت هذه السياسة العنصرية مبلغًا لم تبلغه أعتى الدول الاستعمارية من القرون الوسطى إلى القرن العشرين.

مع العالم

يشير العقاد هنا إلى أن الشيوعية دولة ومذهب، أو دولة ودعوة، لا تبرأ سياسة الدولة (ذات الدعوة)، من دسائس النفاق والمراوغة، ولا بد لها من باطن غير الظاهر فى جميع الأحوال!

وقد تأكد بالتجربة أن «الموقع الجغرافى» يتحكم فى سياسة الدولة فتمضى فى وجهة واحدة، وإِنْ تغيرت فيها النظم والحكومات، ويسمون ذلك السياسة الجغرافية أو «الجيوبولتيك».

ويصدق هذا الرأى على وجهة السياسة الروسية، سواء فى عهد قياصرة آل رومانوف، أم فى عهد القياصرة الشيوعيين. فكل ما طمع فيه آل رومانوف من الفتوحات ومناطق النفوذ، هو ذاته مطمع الساسة الشيوعيين.

كان القياصرة من آل رومانوف يتذرعون فى السعى لفتح «الآستانة» باسترداد «آيا صوفيا» لإعادتها كنيسة وإقصاء آل عثمان عن عاصمة الكنيسة الشرقية القديمة، ومع أن عهد آل عثمان قد انقضى وقام فى الآستانة وموسكو من لا ينظرون إلى الدين نظرة آل رومانوف، إلاَّ أن سادة الكرملين جعلوا يطلبون الآستانة ويطلبون البوسفور والدردنيل بأكثر مما طلبه قياصرة الحرب.

وهكذا تتفق سياسة اليوم مع سياسة الأمس فى الوجهة العامة، وتزيد عليها سياسة اليوم بالدعوة إلى مذهب الدولة والاتجاه بها إلى إشاعة القلق والخراب فى كل مكان.

وقد يدل «الموقع الجغرافى» أيضا فيما يرى العقاد على طبيعة الشيوعية فى عملها بالقوة وعملها بالإقناع، ودلَّ على عملها بالقوة أكبر من عملها بالإقناع أن «سلطتها» بدت أنجح ما تكون فى البلاد التى تصل إليها بالسلاح والمال، ولذلك كانت سلطتها فى الهند أضعف من سلطتها فى الصين وكوريا الشمالية، وسلطتها فى الصين وكوريا الشمالية أضعف من سلطتها فى البلاد الآسيوية الإسلامية، ولا توجد أسباب لذلك غير قوة السلاح والمال.

ويرى الأستاذ العقاد أنه لأكثر من سبب كانت الشعوب الإسلامية فى آسيا الوسطى أوفر من سواها قسمة من وطأة الدولة والدعوة فى آونة واحدة. فهنا يعمل الجوار الجغرافى والجوار التاريخى عملين متسابقين متساندين فى تعجيل السيطرة والإخضاع ونشر المذهب والسلطة بكل ما تملكه الدولة والدعوة من قوة وتأثير.

ولا يستبعد العقاد أن يكون المؤمنون بالشيوعية قد شكوا فى قواعد المذهب التى يبنون عليها نبوءاتهم وتقديراتهم عن مصير مجتمعات الأمم إلى الدمار العاجل. فإن لم تبلغ شكوكهم هذا المبلغ، رتبوا على التمهل فى انتظار النتائج المتنبأ بها سياسة توافقه غير السياسة التى كانت تتوقع النتائج العاجلة.

أما دعوة السلام، فهى فى نظره نفاق لا صدق فيه، وأضيع منها الآمال التى تبنى على «التعايش السلمى»، فلم يعرف ذلك ولو لسنةٍ واحدةٍ منذ قامت الدولة الشيوعية، ولا علاج لاختلاف الرأى عندهم فيما يقول العقاد إلاَّ أن يقتل القادر منهم من يعجزون عن مقاومته، ولعلهم يتعقبونه بعد ذلك بالتهمة والمذمّة وهو فى جوف التراب!

(يتبع)