فى مدينة العـقاد .. الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام (130)

فى مدينة العـقاد .. الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام (130)<br />

لم يشأ الأستاذ العقاد أن يبدى رأيه فى صواب هذه الآراء، أو خطئها، قبل الإشارة أولاً إلى علاقتها بالظواهر النفسية، التى يراها مؤثرة فى أصول المذهب الماركسى وفروعه.

ويثنى بأن الطبقة فى تعريف «كارل ماركس» هى الطائفة التى لها مصالح متعارضة مع مصالح طبقة أو طبقات غيرها.. وأن هذا هو البرهان أو المعيار.

فهل لا بد إذن من فرض العداوة بين الطبقات حتى تكون طبقات ؟!.. ثم هل يحتاج الإنسان إلى بديهة عميقة ليعرف أن الناس يختلفون بغير أن تكون هناك طبقات، وهل تمنع الطبقة الواحدة من أن يختلف أفرادها على نحو ما، وأنه ليس بشرطٍ أن يتطابقوا حتى يُميزوا أو يصنفوا فى طبقة واحدة بقالة إن مصالحها متعارضة مع غيرها من الطبقات أو غير الطبقات ؟!

تفاوت الأعمال فى الكفاية والأهمية والتنازع من حولها ـ قائم وموجود بلا تصنيف بالحتم إلى طبقات، وذلك يوضح خلل الميزان الذى اعتمد عليه «ماركس» فى تعريف الطبقة !

وجدير بالذكر أن «كارل ماركس» لم يصنع شيئًا لنفى هذا التفاوت أو هذه الفوارق بين الناس فى الكفاية والأهمية، ذلك أنه من المحال أن تؤول كل وسائل الإنتاج إلى أيدى طبقة واحدة حتى ولو زالت جميع الطبقات التى عُرفت فى تاريخ الإنسانية !

* * *

بعد أن يبدى العقاد هذه الملاحظة، يعود إلى الدعوى العلمية فى أصول المذهب الماركسى وفروعه، فيؤكد أن علماء «الأنثروبولوجى» لم يثبتوا فرضا من الفروض التى افترضها «ماركس»، ولم يذكروا ولو مجتمعًا واحدًا من المجتمعات البدائية خلا من الملكية الخاصة. هذا إلى أن كنوز الثروة الأرضية فى حيازة المجتمع كله بما يمنحه حق الإذن فى استغلالها، كما وأن السلاح الموقوف على الدفاع العام لا يملكه فرد أو جماعة بغير إذن المجتمع أو الدولة. ولم يذكر علماء الإنسان عهدًا حرمت فيه الملكية الخاصة بالنسبة للثروات العامة، وإنما تركت الحضارات المترقية تنظيم ذلك حسب الحاجة والرغبة والقدرة عليها.

ويقفى الأستاذ العقاد بأنه أيًّا كان المرجع فى النظم، فإنه لا الخير ولا العقل يسيغان أن نتصور أن الاستغلال وجد لأن أناسًا أرادوه ! فلم يوجد الاستغلال لأنه رغبة مستجابة، وإنما لأنه قدرة يستطيعها أناس ولا يستطيعها آخرون.

هذا ولا يتسع طوافنا بمدينة العقاد إلى إيراد كل الحجج التى أوردها فى هذا المقام، فقد أورد الكثير، الذى انتهى على أساسه إلى إبطال الخلاف على تفسير ما أسماه المشاغبة الهمجية ولا على تفسير الرق بعد الانتقال من المشاغبة إلى البربرية الأولى، وهلم جرا.. مما يبطل فى النهاية «الأخيلة» التى اعتنقها الماركسيون التى تفتح ـ فى نظره ـ أبواب النقمة والخراب.

ويسوق تدليلاً على ذلك- على سبيل المثال- الخلط الأكبر الذى يتبدّى حين ننتهى إلى الحلقة الأخيرة من سلسلة الطبقات التى يضعها الماركسيون، وهى حلقة «رأس المال» أو الصناعة الكبرى.

فهذه الطبقة لا تخالف فقط الطبقة التى قبلها، وإنما تناقضها على حسب الأحجية الفلسفية، فضلاً عن عدم جدوى متابعة «كارل ماركس» خلال السراديب والأنفاق التى جعل يتلوى بينها ليصل إلى مبدأ هذه الطبقة، وعدم جدوى متابعته فى سراديبه وأنفاقه الأخرى التى جعل يتلوى بينها ليصل إلى فنائها، ثم إلى النعيم الألفى المرتقب فى مجتمع أبدى لا طبقات فيه !

والنتائج المحتومة التى افترضها ماركس لم تتحقق أى نتيجة منها، بل إن ما تحقق حتى الآن يناقضها ويهدم دعواها.. فرءوس الأموال تتفرق ولا تنحصر، وأسهم الشركات تتوزع بعشرات وبمئات الألوف، ومصانع الشركات الكبرى يساهم فيها العمال أحيانًا، وتتفرق حصصها بين الأغنياء والمتوسطين والفقراء، وتتحول المرافق العامة إلى التأميم كلما كان ذلك أوفق لإدارتها من الملكية الخاصة.

يضاف إلى ذلك أن الطبقة الوسطى تزداد ولا تنقيص ولا يقل نصيبها من الملكية أو الثروة عكس تقديرات ومفترضات «كارل ماركس».

* * *

يخلص الأستاذ العقاد إلى تراكم الخلط كله عند الهدف الأقصى الذى جعله « ماركس» نتيجة النتائج لصراع الطبقات وتواريخ المجتمعات البشرية.. ولا شىء أدل على خطأ المقدمات من كذب النتائج بل وصلاحيتها أن تكون كمذهب آخر غير المذهب الماركسى.

والواقع الذى أمامنا عصف بالمذهب المادى فى مسألة الطبقات عصفًا يهدم الثقة بنبوءاته للحاضر والمستقبل. وليست النتيجة المعكوسة فى أمر الطبقة العاملة أو الأمم التى تروج فيها الشيوعية ـ هى فقط كل ما يعصف بالمذهب المادى، ذلك أن نجاح الدعوة الشيوعية بين بعض الأمم المتأخرة أصاب المذهب فى مقتله حين أثبت أن الدعوة السياسية تفعل ما لا تفعله أطوار الاقتصاد فى عهد الصناعة الكبرى، وقلب المذهب القائم على تصور أن وسائل الإنتاج تسبق كل دعوة سياسية أو فكرية.. بل ويصيبه فى مقتله مرة أخرى حين يثبت أنه مذهب متأخر لا يُساغ فى غير الشعوب المتأخرة، وأنه ليس إلاَّ فتنة كسائر الفتن التى أصغى إليها الجهلاء.

* * *

ولا يختم الأستاذ العقاد هذا الفصل دون التنويه إلى أنه قصره على الطبقة فى مفهوم

«كارل ماركس»، ولم يكتبه فى نشأة الطبقة من وجهة عامة لأنه شرح طويل لا ينهض به فصل فى كتاب.

والدراسة التى تتخلل جميع الدراسات، هى دراسة الإحصاءات والمقارنات.. وهذه وتلك تكذّب استقراءات «ماركس»، بل هناك كثير من العاملين المجتهدين وصلوا إلى الغنى من عملهم فى مزارع الأغنياء وبيوتهم التجارية.

والمعلومات المتوفرة عن أطوار الطبقات، قد تؤيد أو ترجح فروضًا أخرى، إلاّ الفرض المحتوم الذى تصور «ماركس» أنه خاتمة البشرية، ولا خاتم سواها!

(يتبع)