القوانين الدولية.. ولعبة الأمم

القوانين الدولية.. ولعبة الأمم<br />

نعم، كان للمظاهرات السورية فى «درعا» مارس 2011، أسبابها ومطالبها المشروعة، من المتوقع- كما حدث- أن يرفضها النظام- المتضخمة ذاته لأربعة عقود سابقة من هيمنة الحزب الواحد- ولتتطور الأمور من ثم بتدخل أطراف من داخل سوريا وخارجها على خط الأزمة المفتعلة على أرجح الأحوال.. لنقل سوريا من محور إقليمى- دولى إلى آخر، ما دفع كلًا من روسيا وإيران إلى تقاسم الوقوف إلى جانب النظام للحيلولة دون تبدل التحالفات، وحيث مثلت موسكو البعد الدولى عبر مجموعة «بريكسى».. وفى التفاوض مع الدول الكبرى، فيما تكفلت طهران بتقديم الإمدادات البشرية والمالية والنفطية، فى الوقت الذى تفرغ فيه الجيش السورى لمواجهة الفصائل المعارضة المسلحة، دون غالب أو مغلوب، طوال أربع سنوات من الأزمة، ولأمد غير منظور، ربما بانتظار سقوط الثمرة السورية للأطول باعاً من الأطراف المتورطة فى الأزمة على الجانبين.

فى منتصف يوليو 2015، توصلت المجموعة الدولية مع إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووى، تشككت قوى إقليمية ودولية من أن يحمل فى طياته- عاجلاً أو آجلاً- رغبة مشتركة أميركية- إيرانية.. باضطلاع طهران بملء الفراغ الناشئ عن الانحسار الأميركى التدريجى، لأسبابه، من المنطقة، تشمل ضمن ما قد تخطط له وضعية سوريا وإقليم الشام ما عجل- ربما- من التدخل العسكرى الروسى- بعد طول أناة- فى أواخر سبتمبر الماضى، ليمثل ذلك نقلة دراماتيكية فى الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولى، وصفها «بوتين» بأنها ضمن صراع جيو- سياسى «لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.. بما يحول دون تقسيمه لصالح الجماعات الإرهابية»، ذلك فيما يكرر الروس من باب طمأنة السعودية ودول الخليج، أن بإمكان موسكو أن تحقق توازناً على الأرض فى سوريا (وغيرها) من خلال التصدى للتأثير الإيرانى فى المنطقة»، لكن مقابل إدخال طهران فى حوارات الحل السياسى، خاصة فى ضوء التطابق الروسى- الإيرانى بين المجهود الجوى لموسكو.. والقوات الحليفة لطهران على الأرض السورية، كما أن موسكو تمثل بالفعل تاج التحالف الرباعى الروسى- العراقى- الإيرانى- السورى ضد آلاف (الجهاديين) على أرض الشام، إلا أن بعض المراقبين يذهبون إلى الحديث عن إمكانية انفضاض «زواج المصلحة» بين روسيا وإيران، لأسبابهما، سواء فى سوريا أو النظام الإقليمى الدولى الجديد.

الآن، تعم الفوضى هذا النموذج الجيوسياسى الذى استحدثته أميركا منتصف السبعينيات، بحيث صارت معظم وحداته السياسية فى مرمى نيران ميلشيات وجيوش راديكالية عقائدية دينية، تشير الاتهامات إلى واشنطن ووكلائها الإقليميين بدعمها، لسبب أو آخر، ربما من أهمها إمكانية امتداد نفوذها إلى المناطق المسلحة فى روسيا عبر حدودها الجنوبية الهشة، ما يجعل موسكو تتدخل اليوم- كما أيام القيصرية- لأسباب جيوسياسية غير أيديولوجية، ذلك فيما تسعى القوى الخارجية الأخرى لضمان مصالحها الاستراتيجية، وتغامر السياسة الأميركية- بحسب هنرى كيسنجر 17 أكتوبر الحالى، وهى تجابه بين كتلتين متصلبتين، مصر والأردن ودول الخليج من جهة، والكتلة الشيعية المؤتلفة من إيران (ووكالاتها المحلية فى دول المنطقة)، ذلك فى وقت تسعى القوى المتنافسة فيه إلى حيازة قدرات متشابهة، قد تؤدى إلى تداعى نظام الحد من الانتشار النووى فى الشرق الأوسط».

ومن المفارقات أن الولايات المتحدة التى استحدثت بعد حرب أكتوبر 1973 هذا الانقسام العربى- الإقليمى بين كتلتين متصلبتين.. هى التى تتعرض مصالحها اليوم من جراء هذا الانقسام إلى مخاطر الانحسار عن المنطقة دون الاستقرار على بديل يملأ فارغ تخليها، ما يشجع حتى تنظيم «الدولة الإسلامية- داعش» للسعى إلى مشروع جهادى إمبريالى (توسعى)، تهدد أهدافه كل الأطراف فى المنطقة.. و تتجاوز إلى خارجها، ذلك فيما لا تكتفى واشنطن بمقعد المتفرجين غير الحاسم تقريباً.. بل تحول بين الآخرين والتصدى لتوسعات إمبريالية، فارسية وطورانية وعبرانية، لا تلتزم تحركاتها بأصول العلاقات بين الدول والقوانين الدولية.