مراجعات فى الآداب والفنون الاعتراف بالعيوب (82)

مراجعات فى الآداب والفنون الاعتراف بالعيوب (82)<br />

تلقى الأستاذ العقاد تعقيبًا من صاحب معجب بأناتول فرانس- أو مقدس له- يقول له عما كتبه من أسبوع عن «قيصر بورجا»: «إذن فأنت من دعاة التستر والمداراة فى الأخلاق؟» ثم قبل أن يسمع جوابه سأله: «أوليس الأفضل للعلم والبحث والأجدر بكرامة العقل والنفس، أن نعرف «الطبيعة الإنسانية» على حقيقتها وأن ندرسها كما هى على بينة بكل حسناتها وعيوبها؟!».

لا ريب أن هذا أفضل، بهذا أجابه العقاد، ولكنه أضاف هل هو على يقين أن هؤلاء الكتاب المتسمين بالطبيعيين أو بالواقعيين، يعرفون فيما يسهبون «الطبيعة الإنسانية» على حقيقتها؟

الحقيقة أنه لا جهل أكبر من جهلهم بهذه «الطبيعة الإنسانية»، فما كانت تلك الطبيعة خلوًا من حيز كبير تهيمن عليه «الحقائق المطلقة» التى تُنهض العلم وتنهض الطبيعة الإنسانية كلها إلى طلب الكمال، والتضحية بالراحة واللذة ابتغاء ذلك المطلب المتجدد.

فلم تكن الطبيعة الإنسانية قط خلوًا من جانب موقوف على المجهول ؛ يوحى إليها أن ما تعلمه من شأنها أقل مما تجهل، وأن حياتها فى هذه الأرض خاضعة لذلك «المجهول» من جميع جهاتها وإن كانت لا تعرفه ولا تملك الوسائل لمعرفته.

فأين هذا «المجهول» فى آداب الطبيعيين والواقعيين؟

وأى حساب يحسبونه فى كتاباتهم لذلك العالم المستتر الذى لا يفيدنا أن نغمض العيون عنه؟!

إن أولئك الطبيعيين والواقعيين يصفون الإنسان كأنه مخلوق مقتضب عن الدنيا لا يطالب بأن يحسب فيها حسابًا لشئ غير ما يعلم ويفهم، ولا أن يسعى لشئ إلاَّ ما فيه له سرور وحظوة. فلماذا يحرم الإنسان الفوائد على نفسه إلا أن يكون فيها ما يصيبه بضرر عاجل أو آجل فى جسده !!

ويفوتهم أنها إن كانت قد خلقت لتسره وتعجبه، لغايةٍ ما، لما صحَّ أن يكون فيه ضرر له أو محظور يصده. ولكانت مأمونة العاقبة.

فكأن الإنسان الطبيعى الواقعى- هو ذلك الإنسان الذى يعترف بالشهوات وينساق لها مطمئنا، ولكنه لا يعرف أن «مجاهدة الشهوات» من مطالب الطبيعة والواقع فى بعض الأحيان !

وهذه هى الطبيعة الإنسانية كما يفهمها هؤلاء ! الطبيعة التى تنكر وتجحد كل ما لا تفقه، وتأبى أن تبذل شيئا من حظوظها ومسراتها لمعرفة «المجهول» لها !
ليس ذلك معرفة بالطبيعة الإنسانية على حقيقتها، ولا علة للقعود عن معرفتها، ولا منطق لذلك طالما بقى جزء محكوم فى هذا العالم المجهول؟ وطالما بقى «للحقائق المطلقة» نصيبها أو حصتها فيه !

***

لم تكن شهوة من الشهوات الشيطانية التى يشير إليها كتاب الواقع والطبيعة- معدومة أو منسية فى العصور الماضية التى قضت الأديان والعقائد فيها بالنظر بعين الريبة والتوجس إلى تلك الشهوات.. ولا كانت «الطبيعة الإنسانية» سرًّا مدفونًا. كل ذلك قد أحسه القدماء وعرفوه، وأحبوا منه ما نحب وأبغضوا منه ما نبغض، ولكنهم زادوا علينا أن جعلوا للمستقبل نصيبه، ورصدوا للغيب المجهول حصته، ولم تكن علومهم ومعارفهم تناقض «الحقائق المطلقة» أو تناقض الأديان والعقائد وما هو فى حكمها من المذاهب والفلسفات.

ومن حقنا أن نناقش ما يأتى به الطبيعيون أو الواقعيون من أردية وأغطية يخلطون بها بين الحقائق الموجودة والأخرى التى لا وجود لها، ومن حقنا أن نؤكد وجوب أن تكون الحقائق كلها محدودة محصورة قابلة للترتيب والتبويب.

لا يوجد فى العقول السليمة عقل يشك فى وجود «الحقائق المطلقة»، حتى وإن كنا لا نستوعبها. ومتى كانت هذه الحقيقة موجودة، فلا منطق للظن بأنها بعيدة عنا أو أن أيدينا مغلولة عن الوصول إليها أو وصولها إلى عقولنا ونفوسنا والظهور فى أخلاقنا وأعمالنا.

ليكن أن العلم- الثابت الآن، لا يدركها أو لا يقبلها، ولكننا نحن الذين نملك العلم ونسخره بل ونطوره، أما الحقيقة المطلقة فهى التى تملكنا وتسخرنا بل وتلهمنا أن نوفق بينها وبين العلم.

لقد ظهرت «النسبية» على يد «إينشتين» فى أوائل القرن التاسع عشر، ولكن الأستاذ العقاد يرى أنها قد ظهرت على النفوس «مشربا» فى الأخلاق قبل أن تظهر على الورق «مذهبًا» فى العلوم.

وقد مضى على الناس- قبل «النسبية»- زمان طويل كفروا فيه بكل رأى مطلق فى الفضائل والمحامد، وقاربوا بين أعلى المحاسن وأوضع المساؤى، بسلم ملتوى الدرجات من الشبهات والاحتمالات، فلا فضيلة تُحمد على إطلاقها ولا رذيلة تُذم على إطلاقها.

ولا شئ- وإن عظم- إلاَّ وفيه جانب من الصغر، والعكس صحيح. وهكذا طبقا لفروض هذه «النسبية» مشت المحامد إلى جانب المثالب، فصار المليح دميما والدميم مليحا، ومن ثم بطل الجهد والاجتهاد فى طلب الأتم الأكمل جريًا وراء هذا الحضيض.

وقد تقدمت «الديمقراطية» قبل ذلك فوسعت للفرد من الحرية إلى حدها الأقصى، وجعلت للفرد أن يفعل ما يروقه، وينبذ- فيما يخصه- كل حق للأمة أو للإنسانية، فأصبح السرور هو دين العهد الجديد دون النظر إلى عواقبه.

وربما كان من آثار الديمقراطية فى الأخلاق- غير هذا- أنها أزاحت الستار عن أسرار سياسة الأمم فزال غشاؤها الذى كان يحجب فضائحها وخبائثها، واشترك الصغير والكبير فى فهم ضروراتها وحبائلها، ووقر فى الأذهان أن مقادير الأمم والأفراد لعبة فى أيدى الشهوات والأكاذيب، بعد أن كانت لا سلطان عليها فى رأيهم لغير الله والمجد والشرف والجلال.

***

ومن دأب المدنية أنها تفقد التآلف بين نقائض النفس الواحدة، كما تؤلف بين أشتات الأمم البعيدة وأخلاط الشيع المتنافرة. وهذه العادة المدنية هى سر التسامح الذى يمتاز به الحضرى على سكان الريف وأبناء الأمم الجافية.

ولكن لا شئ من ذلك كله، بقادر على أن يخرس فى الفطرة الصادقة القوية ذلك الصوت الآمر الذى يفتأ يهتف بالإنسان فى أعمق أخلاده أن «للمجهول» حسابًا يجب حسابه، وأنه يبقى وراء ذلك دين دائم لافكاك منه يتقاضاه صاحبه من سرورنا وأهوائنا وآمالنا وأفكارنا. وما هذا الصاحب إلاَّ ذلك الدائن الذى يلف النفسو«المجتمع» والإنسانية والحياة بأسرها فى طيات قدره وقضائه.

لنا أن نعرف «الطبيعة الإنسانية»، ولكن علينا ألا ننسى فيما يقول العقاد أن الإنسان لم يصعد سلم الخلق ليظل حيوانًا فى كل شئ، ولنا أن نعترف بالشهوات والعيوب، ولكن علينا ألا نتخذ من هذا الاعتراف نشيدا نتغنى به غناء الافتخار ونحرق حوله بخور البشرى والانتصار!