تاريخ الشرق الأوسط، منذ عرف بهذه التسمية 1903، سلسلة من الحروب ترسم ماضيه كما تتحكم فى حاضره ومستقبله، إذ مع استدارة قرنين من الزمان.. يتنقل خلالها من تبعات حربين عالميتين أعادتا تنظيم حدود غالبية وحداته السياسية، إلى الدخول بالعالم العربى مع مشارف القرن الجديد.. حقبة من الفوضى العارمة تهدد- بحسب مراقبين- بنشوب حرب عالمية ثالثة، لغير صالحه، ذلك فيما باتت إسرائيل منذ -1948 وباعتراف القوى العظمى بها- حقيقة ثابتة على المسرح الدولى والإقليمى.. تسببت فيما أدت إليه، وبالتوازى مع إعلان دولتها.. إلى تعرض جاراتها العربيات لسلسلة من الانقلابات السياسية والعسكرية.. هدمت أنظمة سابقة دون التمكن من استكمال بناء بديلاتها، على عكس الجبهة غير العربية.. حيث انتظمت تركيا بعد الحرب العالمية الثانية فى «حلف شمال الأطلنطى» بقيادة أميركا.. التى اتخذت من إسرائيل «كنزها الاستراتيجى» فى المنطقة.. فيما نصّبت من إيران «شرطى الخليج» حتى 1979.. قبل أن يسعيا- ربما- منذ منتصف يوليو الماضى إلى معاودة ذات الدور مجدداً، ذلك فى الوقت الذى تدور فيه منذ 2011 حروب أهلية عربية- أو ما شابهها- إما لأسباب محلية أو فى إطار صراع عربى- عربى أو بين الشرق والغرب ووكلائهما الإقليميين من ناحية ثالثة، ذلك على النحو المشهود حالياً من مشرق العالم العربى إلى مغربه.
إلى ذلك، تبرز الحالة السورية كنموذج لمكوك الأزمات بين كل هذه السياسات المتقاطعة فى غير موقع ولأكثر من سبب، بما فى ذلك الجارات الإقليميات غير العربيات التى من الطبيعى أن يصيبها رذاذ ما يجرى حولها فى قلب المنطقة ومركز دائرتها- كرد فعل لتدخلاتها سعياً للهيمنة عبر ملء الفراغ الناشئ عن التدهور العربى، حيث تتفجر تركيا بإرهاب الداخل وللصراع السياسى، فيما إسرائيل التى تزداد عزلتها الدولية.. منشغلة بالهبَّة الفلسطنيية المحتمل أن تتحول إلى «انتفاضة ثالثة»، أما إيران فإن الخلاف حول برنامجها النووى.. يهدد بتصدع «أدبياتها الثورية» ما بين الأصوليين والمعتدلين، الأمر الذى قد يجيز القول بتعرض القوميات الرئيسية فى الشرق الأوسط إلى مناخات من الخوف واللا استقرار، كل لأسبابها، بالتوازى مع سباق متجدد بين القوى الكبرى لتأكيد نفوذها فى المنطقة.
فى هذا السياق، أبدت روسيا قوتها أواخر سبتمبر الماضى.. من خلال التدخل العسكرى إلى جانب الشرعية السورية التى تخوض منذ 2011 صراعاً مستميتاً مع الفصائل العسكرية المدعومة من تركيا والسعودية وقطر، وبغطاء غربى، ولتثير الجهود العسكرية الروسية الأخيرة غضب الغربيين نظراً لحجبها التحالف الدولى بقيادة أميركا، إضافة إلى ما يحمله التدخل الروسى من مغزى لا يملك أحد التغاضى عنه فى منطقة تعتبر منذ بدايات القرن الماضى.. منطقة نفوذ تقليدية للغرب، تتعرض اليوم لأول عملية عسكرية تقوم بها روسيا «الحديثة» فى محيطها الاستراتيجى الأبعد، وهو ما يمثل على الأرجح رغبة روسية فى استعادة- ولو القليل- من مكانتها السابقة كقوة عظمى، غاب دورها عن الشرق الأوسط منذ السبعينيات، وليخلق ذلك معطيات أجواء جديدة من الصدام بين القوتين العظميين، وحلفائهما، ربما لا تقتصر على الجبهة السورية فى شرق المتوسط، بل قد تمتد إلى مواقع أزمات ملتهبة أخرى فى شرقى السويس (العراق واليمن) وفى غرب البحر المتوسط (الحالة الليبية)، نظراً لتشابك هذه الأزمات والأطراف المشاركة فيها، بحيث يصعب الفصل- سلماً أو حرباً- بين تطور أحداثها الآنية والمحتملة، خاصة أن استمرار «الحرب بالوكالة» بينهما منذ سنوات.. لم يعد يملك مسوغاته فى ضوء التدخل الروسى الصريح، ذلك فيما تشير تسريبات إعلامية روسية وأميركية- على أعلى المستويات القيادية بينهما- عن حرب سيكولوجية بينهما.. من غير المستبعد أن تتحول عند نقطة ما إلى حرب ساخنة، قد يكون وقودها فى البداية جنود وفصائل وكلائهما المحليين.. قبل أن تتطور الأمور بينهما وتتصاعد- ربما- ليدخلا بقضَّهما وقضيضهما- إذا لزم الأمر- فى أتون صدام عسكرى على ساحة الشرق الأوسط، إلا أن تصميم روسيا للمضى فى الشوط حتى نهايته- خلافاً لرأى بعض الناقدين- ربما يوفر فرصة مناسبة لتلافى نتائج «حافة الهاوية»، تساهم فيها جنباً إلى جنب.. قوى دولية وإقليمية «معاً».. للوصول إلى سلام لا تكون الحرب هى الوسيلة الوحيدة لتحقيقه.