من تراب الطريق
فى مدينة العقاد
يستطيع الباحث فى مدينة العقاد، أن يرى اتجاهًا واضحًا، من البواكير، للعناية بفلسفة الجمال والحرية، وأن يلمس اهتمامًا بقراءة وآراء كبار الفلاسفة، رأينا بواكير ذلك فى «خلاصة اليومية»، ورأيناه يعرض لبعض آراء الفيلسوف شـوبنهور فى كتاب «الإنسان الثانى ـ المرأة» (1912)، ورأيناه فى مقالات مجموعة «الفصول»، يتعرض لفلسفة المعرى، ويكتب عن «أطلال المذهب المادى»، وعن دارون و«مذهب النشوء والارتقاء» وعن نيتشه وفلسفته، وعن المهاتما غاندى، وعن جوستاف لوبون وكتابه «سر تطور الأمم»، ورأينا فيما عرضناه حتى الآن من مجموعة «مطالعات فى الكتب والحياة» ـ اهتمامه ببيان آرائه فى «فلسفة الحياة والأدب»، وفى «فلسفة الجمال والحب»، ويتحدث عن «عبقرية الجمال» وعن المعارض الفنية، وعن «قيم الحرية»، ويتعرض بالتفصيل والتقويم لماكس نوردو وفلسفته وكتاباته ومؤلفاته، وكتابه فى «الأخلاق وتطور الإنسانية»، وكتابه «الاضمحلال» أو الانحطاط، وكتابه «الأكاذيب المقررة فى المدنية الحاضرة»، ويحمل على فكرته وإعلائه «دين المنفعة»، ويتحدث عن نيتشه، ولمبروزو، ويبقى فيما لم نعرض له بعد من موضوعات «المطالعات»، معاودته الحديث فى «فلسفة المعرى»، والحديث عن «فلسفة المتبنى»، وعن هذه الفلسفة بين فلسفات كل من نيتشه ودارون، ثم أناتول فرانس، وعمانويل كانت.وقد رأيت من الأنسب أن أعرض لحديثه عن المعرى فى الفصول والمطالعات، مع كتابه «رجعة أبى العلاء»، وقد فعلت. وأن يأتى الحديث عن آرائه فى المتنبى ضمن قضية الشعر عامة.
على أن مجموعة المطالعات قد ضمّت موضوعات أخرى لا يتسع المجال لعرضها كلها- ولكنها ضمّت فيما ضمّته مقالات عن كل من «أناتول فرانس» وفلسفته، و «عمانويل كانت» وحياته وعمله فى الفلسفة.. وهى مقالات تأتى فى إطار ما رصدناه من عكوفه على الفلسفات والآداب والفنون الغربية، وتمثلها وإخضاعها لسلطان عقله وهو يتأملها ويحللها وينقدها.
* * *
ومقال الأستاذ العقاد عن أناتول فرانس نشر أصلاً بالبلاغ فى 22 أبريل 1924، وأشار فى مستهله إلى أن فرنسا تحتفل آنذاك بعيد ميلاده الثمانين، فهو من مواليد باريس فى 16 أبريل 1844، واحتفال فرنسا به احتفال يوافق مكانته ودوره، فهو ترجمان عبقريتها اللاتينية، وعنوان آدابها، ورائد «الدعوة الشكوكية» التى انفردت بها فرنسا فى الزمن الأخير، بعد أن كانت قد أخرجت ديكارت وفولتير ورينان (ارنست)، بل ومنذ أخرجت «مونتانى» (ميشيل) (1533/ 1592) الذى جعل شعاره «ماذا أعرف ؟!»، إلى أن أخرجت ـ أى فرنسا ـ فى هذا العصر «أناتول فرانس» القائل إن الحق الإلهى- أى الحق المطلق - كيوم القيامة يسحق هذا الوجود سحقًا .
حمل أناتول فرانس لواء الشك فى عصر الشكوك، وجعل حقيقته هى الحقيقة العليا بأسلوب رائع ونفس مطمئنة، تدل على أن الشك لا ينتزع من طبيعتها انتزاعًا، وإنما هو آتٍ من معدنه الذى يجود به عفوًا. وليس هذا الشك، طبقًا لتوصيفه، كالشك الذى تتحدث به كتب الإنجليز والروس والألمان، فقد يبدو مسوقًا فيها كرهًا وأن المفصح عنه نادم على تعجله فى إبدائه.
هذا الرجل الذى بلغ الثمانين (وقد توفى بنفس العام فى 12 أكتوبر 1924)، وبَلاَ الحياة بحلوها ومرها، يسأل نفسه بماذا خرج منها، فيجيب «لا شىء» فلا حقيقة على الإطلاق !
ولا مراء فى أن رأيه، كآراء غيره، لا يتنزه عن الخلاف، فما من قول أو رأى فى الفلسفة والآداب إلاَّ وفى وسع العقل أن يقيم البرهان على صحته ثم يقيم البرهان على بطلانه.. فكل شىء صالح للبرهان إلاّّ ما تشعر فى نفسك بأنه حقيقة مثلما يقول أناتول فرانس فى مقاله عن «فلسفات الجمال» أو «قصور الورق» كما يسميها. فالحقائق كلها اعتبارية نسبية، والعقل البشرى لا يحتمل الحقيقة المطلقة.
وهذه الفلسفة هى فلسفة «النسبية» التى أعلنها أناتول فرانس وأدى رسالتها قبل أن يظهر إينشتين صاحب هذه الفلسفة فى عالم الرياضة والعلوم.
وقد بلغ من شك أناتول فرانس أنه يشفق على الحماقات من التفنيد، لأنه يعلم أنها متبوعة لا محالة بحماقات أخرى تحل محلها، وقد لا تروقنا مثلها. ويقول فى ذلك «إننى أعتقد أن الإنسانية لها ذخيرة واحدة من السخافة والبلادة فى كل حين، فلا تنقص ولا تزيد، وكأنما هى رأس المال لا ينفد وإن اختلفت البضاعة التى تصرفه فيها».
الأمر الحقيق بأن يعرف- فى نظره- هو : «أليست الحماقات والترهات التى جللها القدم هى خير ما يربحه الإنسان من رأس مال بلادته ؟! إن الحماقات القديمة بعد دراسة المسألة من جميع وجوهها- لهى أهون حملاً من أخواتها الجديدة، لأنها صقلت بصقال الزمن وكاد القدم أن يمحو عنها إثمها ويكفر عن خطيئتها» ويلوح للأستاذ العقاد أن أناتول فرانس يريد أن يشك حتى فى حقيقة أنه «إمام الشكوكية» فى هذا العصر بلا منافس. ويقول فى «حديقة أبيقور» «نحن نحكم بالشكوكية على كل من لا يشاطرنا أوهامنا دون أن نسأل لعل لهم أوهامًا أخرى».. وحديقة أبيقور هى التى ترجم العقاد كثيرًا منها، فترجم «المرأة والحب» (روز اليوسف 9/11/1925)، و «القمار فى نظر المقامر» (روز اليوسف 23/11/1925)،
و«الألم والسعادة» (روز اليوسف 7/12/1925)، و «أناتول فرانس يأبى أن يكون إلهًا» (روز اليوسف 1/2/1926)، و «من أدب الغرب : باقة من حديقة أبيقور»
(روز اليوسف 22/1/1928 و 22/2/1928)، و«من أدب الغرب : كلهن أرض» عن باقة منقولة من حديقة أبيقور (روز اليوسف 16 و 23/3/1931).
(يتبع)