مطالعات فى الكتاب والحياة رثاء متميز لِطَيْفٍ رَحَل! (67)

مطالعات فى الكتاب والحياة رثاء متميز لِطَيْفٍ رَحَل! (67)


«مضى ثمانية أشهر على احتجاب ذلك الطيف الذى كان كثيرًا ما يرى فى هذه العاصمة غاديا أو رائحاً فى خطوة وئيدة وعزلة بعيدة كأنما يسرى من حيث لا يعلم الناس إلى حيث لا يعلمون، ذاهب الطرف أنى سار كالعابر من عالم لا يذكره إلى عالم لا يرجوه غير مشغول بأمر الطريق، على وجهه سماحة تظللها سحابة من أسف شجى ولوعـة مخامرة، وفى عينيه حيرة قرت من فرط القلق فعادت فى رأى العين طمأنينة راضية، وعلى شفتيه صمت مصرٌّ كظيم يصف لك من صاحبه هاتفا دعا ثم ألحف داعياً منادياً حتى مل وفتر فلم يستمع إليه مصيخ ولم يجب إلى صوته صدى، فأطبق شفتيه إطباقة من لا ينوى افتراراً ولا يهم بصيحة ولو علقت النار بردائه مضى ثمانية أشهر على احتجاب ذلك الطيف واحتباس حركته، فكان مغيبه فى نفوس المحبين والعارفين رزءًا فادحًا وألمًا بارحًا ونزعة شديدة وشقة بعيدة، وكان فى تصور الخيال خطوة واحدة كخطوة الطيف الهائم جفلته لواغط الأصوات فأوى على ظلمته الساكنة»!

بهذه الكلمات المتميزة، قدم الأستاذ عباس العقاد رثاءه للكاتب الصحفى الأديب فرح أنطون .. نشرته جريدة البلاغ فى 5 مارس 1924 وأعيد نشره فى «مطالعات فى الكتب والحياة» .. أورد الأستاذ العقاد أنه رأى«فرح أنطون» مرارًا، ولكنه لم يكلمه إلاّ مرتين أو ثلاثًا .. إحداها فى مقر «الأهالى» التى كان يعمل فى تحريرها، ويومها سمع من نبرة صوته ما فاق ما رآه من خشوع نظرته .. يكمل العقاد فيقول إنه أحس بموضع دائه، فواساه قائلا بأنه أى فرح أنطون فى طليعة مبكرة من طلائع النهضة العامة، وأن المستقبل سوف يعرف من عمله ما لم يعرفه الحاضر، وسيكون حين يفترق الطريقان خيرًا مما كان فى هذا الملتقى المضطرب!

شدتنى كلمات الأستاذ العقاد واستحضرت ما بتنا نعانيه من تطاول الإمّعات على القامات وإنكار حقهم وما قدموه لبلدهم، مثلما أسرنى حزن إجابة فرح أنطون . قال يومها بحركة فاترة من يده: «يا أخى تيار جارف فماذا يحفل المستقبل بالحاضر، وماذا يبالى السائر المغذ بمن كان قبله فى مفترق الطريق؟!»

ونعرف عن فرح أنطون (1866/1922)- أنه كاتب ومترجم وصحفى ومسرحى عربى، ولد بطرابلس الشام، وهاجر إلى مصر كعادة الكثيرين من أدباء ذلك الزمان، حيث أسس مجلة «الجامعة» وكسدت ولم تستمر، واشترك مع عبد القادر حمزة فى تحرير جريدتى «الأهالى» و«المحروسة» . نزع إلى التفكير الحرّ متأثرًا ببعض مفكرى الغرب أمثال: روسو، وسيمون، ورينان، وتولستوى، ترجم «أنالا» لشاتوبـريان، و«ملفا» لجوركى ،و«زرادشـت» لنيتشـه .. وفـى الروايـة كتـب: «أورشليم الجديدة»، وتحول فى أخريات أيامه للكتابة عن المسرح وله .

هذا ما تذكره لنا دوائر المعارف عن فرح أنطون، ولكن الأستاذ العقاد يريد كدأبه إثارة قضايا .. فيلاحظ أنه من واقع ما قرأه له وجده ممن لا تمر بهم مذاهب الفكر الشائعة عبثًا، وإنما تمازجت لديه مع كل ما يصب فى صفحة وجدانه التى لم يوصدها فى وجه طارق من طوارق الأفكار الجميلة.

يستلفت العقاد أن حياته الفكرية كانت أثرا لوطنه المكانى ووطنه الزمانى .. فأما وطنه المكانى فظاهر الأثر فى حملته على رجال الدين والإقبال على المؤلفات التى تنحى عليهم، كإكثاره من الكتابة عن تولستوى، وتلخيصه لكتاب «رينان» فى «تاريخ المسيح» .. ودعوته للفصل بين الكنيسة والحكم، وانتقاده الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية فى الخلافة الإسلامية.

لم يفت الأستاذ العقاد أن يستقصى أسباب التحدى البيّن للنفوذ الدينى فى الشام، بداية من جذوره الراجعة للحروب الصليـبية والامتـيازات الأجنبية، واستعراضًا للنفوذ الذى قبض به رجال الدين على زمام السلطة فى الشام، وجَمْعهم هناك بين الزعامة فى الدين والزعامة فى السياسة والزعامة فى العلم، وردود الفعل التى تَبَرَّمَ بها الشبان المتعطشون إلى المعرفة الحرة والآراء المتجددة . وهذا ما تراه بشىء من الرفق والاعتدال فى كتابات فرح أنطون.

أما الموطن الزمانى الذى تأثر به فرح أنطون، فهو طريقة الكتابة التى لم يغيرها إلاّ قليلا فى عهده الأخير، وهى المنادية «بالعودة إلى الطبيعة» .. وحين تراجع كتاباته يخيل إليك أنه يكتب بقلم من أقلام الفلاسفة والأدباء أمثال روسو وبرنادين وغيرهما، ولكنه لم يقلدهم وإنما توافق معهم بفطرته، بل ويتقدم بما كتبه إلى صف الكثيرين منهم.

يذكر الأستاذ العقاد لفرح أنطون أنه كاتب به استعداد للرواية والقصص، وتجلت هذه الملكة أحيانا فى مقالاته الأدبية والسياسية، ومال به هذا الاستعداد فكتب وأحسن وارتفع فى روايته: «أورشليم الجديدة» .. وشجعه ذلك على ارتياد المسرح حين دعى فى أخريات أيامه للكتابة له، فأحسن فى البداية ما ترجمه وما كتبه، ولكنه لم يحقق من المسرح بغيته، فلم يرض العقاد عن مسرحية له لم يصبر على إتمام مشاهدتها، ولكنه يتخذ من ذلك فرصة لإثارة ما يلاقيه الأديب والكاتب من قلة ونضوب الموارد، فيضطر إلى الخروج عن ملكته وما يتقنه، إلى عمل روائى أو مسرحى قد يحقق له ما يعادل ربحه من جميع مؤلفاته ومترجماته! فهل هو المسئول؟ يسارع العقاد الذى عانى الأمرّين وباع مكتبته أكثر مـن مرة، فينحاز إلى فرح أنطون، ويختم مقاله المنشور فى كتاب «مطالعات فى الكتب والحياة» قائلاً: «وماذا كان يصنع فرح أنطون إن لم يؤلف تلك الروايات؟؟ ألا فلنعلم أننا إذا كنا لا نختار للأديب النابغ المريض المنقطع الموارد إلاّ أن يموت بيننا على الكيمان جوعاً فقد يحق لذلك الأديب أن يختار لنفسه خاتمة أسلم وأكرم من تلك»!