هذا المقال كتبه العقاد من أكثر من تسعين عاما، حيث نُشر بالبلاغ فى 19 فبراير 1923، ومع ذلك فما أثاره فيه، لا يزال ملحوظًا هذه الأيام ..
والرياضة المقصودة بعنوان المقال «القرائح الرياضية والتدين»، ليست الرياضة البدنية، وإنما تلك الخاصة بالعلوم الرياضية . بدأه العقاد بإشارة إلى رأى صديقه الأستاذ المازنى فى التصوف وعلاقته بالملكة الرياضية، ساقه فى كلام شيق عن عمر الخيام، وقدم له برأى «فتزجيرالد» (وهو شاعر إنجليزى ترجم رباعيات الخيام من الفارسية إلى الإنجليزية 1859)، هذا الرأى الذى أخرج الخيام آنذاك من زمرة المتصوفة لنبِّوه عن سمتهم وسخريته من ريائهم، ولبغض المتصوفة له ورميه بالكفر والزندقة .. ومما ذكره المازنى للشاعر الإنجليزى أنه كان رياضيًّا بارعًا فى العلوم الرياضية، ويُذْكر له فى هذا الباب تنقيحه التقويم السنوى مما استحق عليه الثناء من المؤرخ الإنجليزى «جيبون»، ووضعه طائفة من الجداول الفلكية، وتأليفه فى «علم الجبر» بالعربية . ومع أن المعلوم أن مجال الذهن الرياضى وعمله هو فى ضبط الحدود والحصر وتعليق النتائج بأسبابها، وهو عمل يتطلب الدقة والعناية والترتيب والتبويب ولا يطيقه أو يقوى عليه ذهن المتصوف، إلاَّ أن العجيب فيما كان قد كتبه المازنى أن «فتزجيرالد» لم يفطن إلى هذه الدلالة ولم يخطر له أن يسوق هذه الحجة فى نفيه التصوف عن الخيام .
ولكن العقاد يتحفظ على رأى صديقه، ويرى أنه يخالف ما يعتقده وما يعانيه ويشاهده من طبيعة الذهن الرياضى .. وقد يخالف رأى المازنى أيضًا نفرٌ من المهندسين والمشتغلين بالعلوم الرياضية وما يتصل بها من العلوم.
يرى العقاد أن «الذهن الرياضى» أقرب الأذهان إلى التدين والإيمان بالغيب، وأبعدها عن رد العقائد إلى «علل» الأشياء الخارجية . ولا محل لاستغراب ذلك، فكثيرًا ما يلاحظ ميل جهابذة المهندسين إلى التصديق «بالرُّقَى» و «التعاويذ»، وانخداعهم بترهات الدجالين وأباطيل السحرة والعرافين، وتوسلهم بالأولياء والأشياخ فى قضاء لباناتهم كما تفعل العامة، فيعجب الناس أشد العجب ولا يهتدون إلى التوفيق بين هذه الخلة وما يعرفون فى أولئك «الجهابذة» من رجاحة العقل والرسوخ فى العلوم .
وظنى أننا لا نزال لليوم، نلمس هذه الظاهرة فى كثير من أهل العلوم الرياضية وما يتصل بها من علوم، بلجوء بعضهم إلى الدجل والدجالين، وتصديق الرُّقَى والتعاويذ، ونرى فيما نراه، نجاح الفكر الدينى المتطرف فى اختراق أمثال هذه العقول البارعة فى العلوم، وتجنيدها فيما لا يتفق مع المفترض فيها من الإحاطة العلمية، وذكاء الفهم، ورجاحة العقل .
بيد أن العقاد يورد تفسيرًا لذلك، وليس تبريرًا له، فحواه أن معلومات الإنسان تنقسم من وجهتها العامة إلى قسمين : حقائق خارجية، وحقائق ذهنية . فأما «الخارجية» فيعنى بها ما يقابل كلمة (Objective)، وهى الكلمة التى توصف بها الحقائق المستفادة من ملاحظة الأشياء الخارجية وتمحيصها وتدخل فيها علوم الطبيعة، وعلى الجملة كل ما يقيده الحسن من المشاهدات التى يقوم عليها البرهان بالاستقراء .
أما «الذهنية» فيعنى بها العقاد ما يقابل كلمة (Subjective)، وهى كلمة لوصف الحقائق التى يقوم البرهان عليها «بالبديهة»، ولا يتوقف العلم بأولياتها على المشاهدة والاستقراء . ومنها أصول «الحقائق الرياضية» وأصول «المنطق» و«الفلسفة الإلهية»، ويلحق بها كل ما هو وجدانى لدنّى من المعرفة والفنون حتى الموسيقى .
ولهذا تتآخى فروع هذه الحقائق أحيانًا وتتآلف العلوم التى تبحث فيها وتتقارب الملكات التى تكون أو تتنامى فى المشتغلين بها، ولا يندر أن نجد ما يجمع بين الرياضة والفلسفة وبين الموسيقى، كالفارابى وفيثاغورث وابن سينا، وأينشتين صاحب فلسفة «النسبية»، فهو إلى جوار العلوم الرياضية فيلسوف وموسيقار بارع فى العزف على القيثار .
فاعتماد الرياضيين على البديهة أكثر من اعتمادهم على الحس والملاحظة، واستعانتهم بالفروض أكثر من استعانتهم بالتجربة، وموقفهم أمام المجهول موقف من يسلم به فرضًا ولا يستبعد فيه شيئًا، وهذا هو سر اختلاط تدينهم بالميل إلى تصديق المعجزات والخفايا وما شاكلها مما يلى البديهة، ومن المعلوم أنه قد اشتهر من الرياضيين «أوليفرلودج» الإنجليزى، و«فلامريون» الفرنسى، و «أديسون» الأمريكى، ومع ذلك تفانوا- سيما الأول والثانى- فى إثبات «أسرار الروح» وكشف غوامض الاستهداء وإماطة الحجاب عن الغيب .
عاد العقاد بعد استطراد طويل، إلى الخيام .. هل هو متصوف ؟ إن ذلك يستدعى أولا تحديد ما هو التصوف ؟