قد يتساءل البعض، والمصريون ينتابهم الفتور من جدوى الانتخابات البرلمانية هذه الأيام، عما يفترض أن يكون عليه حال مصر.. لو لم تقم «دولة يوليو» قبل ستين عاماً ونيف من حريق عاصمة البلاد، إعلاناً لإفلاس عهد سابق، وإيذاناً لمرحلة جديدة.. إما فى اتجاه استيلاء الحركة اليسارية الحديثة منذ بداية الأربعينيات على الحكم، كاحتمال قائم كان محل قلق البرجوازية العليا كما المتوسطة، بسيان، وإما أن تتحول- إن أسعفها الوقت- إلى ما يشبه اليوم «النمور الآسيوية»، ولذلك فقد سارعت «دولة يوليو» فى السنوات الأولى لقيامها إلى إرضاء المهمشين، الفلاح.. العامل.. والمرأة، إلخ، وبإعادة التوازن النفسى والاجتماعى لطبقات شعبية مسحوقة.. ذلك لقطع الطريق على إرهاصات (شيوعية).. كانت تمثل وقتئذ الخوف الجامح للرأسمالية الاحتكارية العالمية، ذلك بالتوازى مع بدء العمل فى تشييد قاعدة صناعية.. لتلبية وإشباع احتياجات سوق العمل من ناحية.. والمطامح الشعبية المتصاعدة من جانب آخر، فى إطار مشروع قومى نهضوى، للمرة الثالثة منذ عهد محمد على، لم يكتب له- كسابقيه- الاستمرار، لأسباب عديدة.
ما سبق، قد يمثل مقدمة ضرورية لتلمس مسيرة الانتخابات البرلمانية التى تطرق الأبواب، ما بين الأمل فى ديمقراطية بناءة أو القلق من تغول المحترفين لأسبابهم، حيث تجيء الانتخابات فى مرحلة مفصلية قد تكون الأهم على الإطلاق منذ الاستقلال الأول لمصر وإقرار دستور 1923، كونها تعقب وتتواكب مع إرهاصات ثورتين خرج إليهما ملايين المصريين فى السنوات الأربع الأخيرة إلى الشوارع والميادين.. تطالب بالعيش والحرية والعدل والكرامة الإنسانية، تحمل فى طياتها- ربما- حنيناً إلى «دولة يوليو» حتى 1970، لكن دون القبول بمعايبها (..)، فى مقدمتها البطش بالحريات للمختلفين مع منهجها، وليكون ذلك الباب هو الذى تسلل منه خصومها لتهشيمها كآنية من فخار، لحساب انفتاحات اقتصادية وسياسية وإعلامية غير مدروسة.. أشاعت الفساد والارتجالية فى أنحاء البلاد لعقود تالية- لم تسلم هى الأخرى من داء «حكم الفرد»، لكن بدون مشروع وطنى- ربما كان يبرر لدولة يوليو بعض أخطائها.
إلى ذلك، وفى سياقه، يرى البعض فى الظروف المحلية والإقليمية والدولية، ما قد يدفع للقبول بممارسات «دولة يوليو».. والتأقلم مع خللها البنيوى، نظراً لما يخشونه- بوجهة نظرهم- من «كارثية انهيارها» دون وجود بديل ممكن حتى الآن» إذ إن ضعف الدولة لا ينبئ بقيام ديمقراطية سليمة فعالة، والعكس صحيح، ذلك فى الوقت الذى يبرر فيه المعسكر (الديمقراطي) رفضه «دولة يوليو».. على أمل أن تخلق حزمة من الإجراءات- بين عشية وضحاها- قواعد حزبية وشعبية وممارسات ديمقراطية إذ بين هذا الرفض وذاك القبول.. تبدو «دولة يوليو» هى المشكلة.. ولكنها أيضاً هى الحل.
على صعيد مواز، هناك بُعد خارجى يتكامل مع الاعتبارات الداخلية ذات المشاكل الهائلة (..) من أهمها عودة الإخوان وأباطرة المال من بوابة البرلمان، ذلك من بعد أن ثبت عملياً اتصال الجبهتين الداخلية والخارجية بالنسبة لتطويع مصر، بصرف النظر إن كأن البديل «دولة يوليو» أو دولة «دينية» أو «أوليجاركية»، إذ إن ما يحدث من معارضات متنوعة بما فيها العنف والفوضى فى الداخل أو سواء لما يجرى- متصلاً به- فى مناطق صحراوية من الحدود الفلسطينية- الإسرائيلية إلى الحدود الليبية- التونسية، وربما تتخطاها جنوباً إلى منطقة أعالى نهر النيل، فضلاً عن شمال سوريا (شرق المتوسط) إلى منطقة الخليج وباب المندب (شرقى السويس)، ما يفرض على مصر، ونهج دولة يوليو تحديداً، دوراً محورياً أبعد من انكفائها على حدودها النهرية، سواء بالحفاظ على سلام ليس غير بارد مع إسرائيل.. مع الحرص فى الوقت نفسه على مقتضيات استعمال القوة العسكرية فى خدمة أغراضها السياسية فى الداخل والخارج، بسيان، على ألا تمتد طموحاتها الجيوسياسية- كما فعلت «دولة يوليو»- إلى أطول من ذراعها.
إن الضرورات التى أملت قيام «دولة يوليو»- قبل انتكاستها- مازالت قائمة اليوم كما بالأمس، لمواجهة تحديات خارجية وما بين ظهرانيها، مع الإقرار بتباين معالجاتها بحسب المتغيرات التى طرأت منذ ذلك الحين على الصعد الدولية والإقليمية والمحلية، ولتبدو «دولة يوليو» إزاء ما سبق.. ما بين الانحسار أو عزيز استئنافها، إذ ربما تجيب على هذا التساؤل، شكل وكيفية إدارة الحكومة الجديدة للانتخابات البرلمانية القادمة.