إن ما يحدث فى الشرق الأوسط اليوم يعمل على تدمير، ليس فقط الحاضر بل الماضى والمستقبل أيضا، إنه يعمل على إنهاء الوجود نفسه فى تلك الأراضى التى تحمل أسس التاريخ القديم والحضارات والثروات الطبيعية، واكثر من هذا وذاك، تحمل بذور المستقبل فى شبابها.

إن العالم كله لا يتحدث الآن إلا عن المأساة الاجتماعية والإقتصادية التى تنتظر أوروبا بعد إستقبالها عشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط، سوريين ويمنيين وأكراد وليبيين وأفغان وأخرين. ويتحدث الإعلام الغربى عن أن أوروبا تواجه أسوأ أزمة تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية. وكيف أن دولة مثل ألمانيا التى غيرت موقفها من اللاجئين وسمحت لهم بالدخول، تواجه أكبر تحدى لها منذ سقوط الكتلة الشيوعية وسور برلين، وتوحدت الألمانيتين. وقد يعتبر البعض أن أوروبا تستقبل عشرات الالاف من اللاجئين بسبب طيبة قلوبهم ومشاعرهم الأنسانية. ولا يتوقعون أن تلك البلاد قد تستغل هؤلاء اللاجئين المعوزين فى الأعمال الدونية التى يرفض الأوروبيون ممارستها، ولا يحصلون مقابل ذلك إلا على أقل الأجور. بينما يرسل البعض الأخر إنطباعات بأن النزوح الكبير ما هو فى حقيقة الأمر إلا غزو من العالم الثالث للعالم المتقدم، يهدد هذا التقدم.

ولكن لا يتحدث أحد، ولا حتى الدول العربية التى صمتت تماما عن المأساة التى تتفتح مباشرة أمام أنظارنا فى المنطقة كلها. فقد شهدت المنطقة من الاراضى الفلسطينية المحتلة وغزة، الى العراق ثم سوريا واليمن الى ليبيا، حروبا مستمرة، أدت الى تدمير الوضع الاقتصادى والاجتماعى والبنية التحتية والفوقية للبلاد ستظل أثارها قائمة لسنوات طويلة قادمة. هذه الحروب التى أججتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين فى حلف الاطلنطى، حتى وإن توقفت بعضها مثل العراق، إلا أنها تركت البلاد مدمرة غير قابلة لأن تكون دولة أو مجتمعا.

ولا أحد يتحدث أن الدمار لم يؤثر فى الحاضر فقط، ولكنه أمتد الى التاريخ؛ وكان أول من قام بإغتصاب تاريخ المنطقة كانت القوات الأمريكية التى أقتحمت متحف بغداد بعد أيام من إجتياحها العراق، وسرقت ونهبت ودمرت تاريخ أمتد الالاف السنين؛ وحذا حذوها داعش التى بدأت تدمر كل الأثار القديمة والحضارة الحقيقية فى سوريا، حتى لا يكون هناك حضارة تميز الشرق الأوسط عن سائر العالم.

وأخيرا، لا يتحدث أحد عن المستقبل الذى يتم تدميره بشكل منهجى امام أنظارنا؛ فقد تمكن مئات الالاف من الشباب من مغادرة أوطانهم، هؤلاء الشباب الذين يعول عليهم إعادة البناء، ولكنهم غادروا مضطرين أو مجبرين، ولن يعودوا اليها. أما الأطفال الذين يعتبرون هم مستقبل البلاد، فهم يموتون عند السواحل الغربية أو يموتون فى الحروب، ومن لازال يعيش فى الوطن أصبح يرى مستقبله يتقلص بعد أن أصابتهم الامراض النفسية من جراء ما تعرضوا له، وتوقف مسيرتهم العلمية والتعليمية.

المأساة الحقيقية تكمن فى الشرق الأوسط، وليس فى أوروبا الغربية.