فى لقاء هو الخامس بين القيادتين المصرية والروسية منذ 2013، يتوجه الرئيس المصرى الثلاثاء القادم لإجراء مباحثات مع الكرملين يعتبر الأهم بالمقارنة لما سبقها.. نظراً للمستجدات التى طرأت مؤخراً على مسار الأحداث الإقليمية (...)، وحيث من المتوقع أن يتكاشف الجانبان عن حدود والمدى الذى يستطيع كل منهما بلوغه- فى إطار دعم علاقتهما الثنائية- بعدما تبين لهما، كل لأسبابه، أن تكامل مسارهما بات ضرورة استراتيجية، لا يخلو المضيّ فيها من تعقيدات إقليمية ودولية، أهمها من جانب مصر، دقة موازنة موقفها بين كل من موسكو وواشنطن، إذ تربطها بالأخيرة علاقات تعاون استراتيجى منذ منتصف السبعينيات، الارتداد عنها يحمل من التبعات ما يوازى عبء الالتزام بها، خاصة فى مثل هذه الظروف المحيطة بمصر والمنطقة، كما ترتبط مصر على الجانب الآخر بعلاقات مع موسكو.. أقرب إلى التحالف منذ متنصف الخمسينيات، ذلك قبل فض معاهدة الصداقة والتعاون بينهما 1975، حيث لم تعد علاقتهما إلى سابق العهد تقريباً إلا فى العامين الأخيرين، فى تزامن غير مباشر مع تجدد الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين.. ولتلقى بظلالها- بالتأكيد- على طبيعة المحادثات المصرية مع روسيا.. التى تطالب بدورها الولايات المتحدة من فوق منبر الأمم المتحدة سبتمبر 2014 «بالتخلى عن مزاعمها أنها القوة المتفردة أبدياً»، ما يؤثر بالسلب حتى على أوجه التعاون بينهما فى المجالات التى تتطلب منهما التطابق بشأنها، كالموقف من «الإرهاب» فى الشرق الأوسط، إذ ترفض موسكو الانضمام إلى أى تحالف لمواجهته- تقوده واشنطن- التى ترفض بدورها التخلى عن دور القيادة، ما يعرض للخسارة مصالح روسيا فى المنطقة، لتسعى من ثم إلى تشكيل ائتلاف مواز/ بديل لما تقوده واشنطن، سوف يكون من المرجح مناقشة تفاصيله على رأس أولويات أجندة المحادثات المصرية- الروسية، ذلك إلى جانب مناقشة مساع روسية لتعظيم أوجه التعاون الناشئة مؤخراً مع السعودية، سواء فى مجال الاستثمارات أو احتمال زيارة الرئيس الروسى الرياض الخريف القادم، ما قد يؤثر إيجاباً على خلخلة الأزمة السورية التى لها حسابات أخرى لا تلتقى بالضرورة مع رؤية كل من روسيا والسعودية من أولوية «مكافحة الإرهاب»، إذ يقفان على طرفى نقيض بالنسبة لبقاء الرئيس السورى فى منصبه من عدمه، ذلك فى الوقت الذى تقف فيه مصر على مسافة متقاربة من فرقاء المسألة السورية.. قبل أن توفد وفداً إعلامياً كبيراً قبل يومان إلى دمشق ليلتقى بوزير الخارجية ومسئولين سوريين، فى خطوة غير مسبوقة منذ بداية الأزمة السورية 2011، الأمر الذى قد يلقى إرتياح الكرملين- قبل أيام من لقاء القمة مع مصر، على غير ما تمثله تلك المبادرة بالنسبة للسعودية التى تناهض استمرار «الشرعية» فى سوريا (رحيل الأسد) بينما تعمل عبر «عاصفة الحزم» إلى استعادة «الشرعية» إلى اليمن من أيدى «المتمردين الحوثيين»، المدعومين إيرانياً، ما يعظم من التوتر بين السعودية وإيران سواء فى اليمن أو سوريا.. المعرضتين بسبب ذلك إلى مخاطر التقسيم، ومن ثم إلى ارتدادات ضارة خارجهما على المستوى الإقليمى والدولى، ولذا تنادى روسيا- ومصر- بإحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولى من حيث عدم التدخل فى الشئون الداخلية.. وفى إطار حل دبلوماسى للحرب فى اليمن وسوريا، ذلك على غير نهج الولايات المتحدة الداعم لحلفائها التقليديين، وهكذا تجد مصر نفسها من ضرورة الحفاظ على موقع وسط بين هذه السياسات الإقليمية والدولية المتقاطعة، خاصة بالنسبة لعلاقاتها- شبه المتردية- مع إيران منذ مطلع الثمانينيات، ذلك بوصفها أقرب حلفاء روسيا فى المنطقة، وأقدرهم حراكاً دبلوماسيا وميدانياً، خاصة عقب نجاحها فى تسوية أزمة برنامجها النووى مع المجموعة الدولية 1+5، إذ تتوجه من بعد إلى محاولة تهدئة إقليمية، بالتنسيق المرجح مع موسكو، حيث تسعى دبلوماسيتها إلى ملء الفراغ المنتشر فى دول جوارها، ذلك عبر تشكيل ما اسماه وزير خارجيتها «مجمع للحوار الإقليمي»، ليس من المستبعد أن يسعى الكرملين لدى مصر للمشاركة فى دعم هذا «المجمع» أو بأقله عدم عرقلته، ما يشجع دول خليجية وأخرى عربية للانضمام إليه، على أن يشمل هذا «المقترح» فى مرحلته الثانية جميع الدول الإسلامية فى الشرق الأوسط، بما فيها بطبيعة الحال الجمهوريات الإسلامية فى الفضاء السوفيتى السابق، وهى المهددة بخطر امتداد الإرهاب إليها ومن اللافت أن ذلك يتماثل بشكل أو آخر مع قيام «شرق أوسط جديد» يضم إلى جانب جامعة الدول العربية.. كل من منظمة المؤتمر الإسلامى ومؤتمر التعاون الاقتصادى، كما تضاهى فكرته ما سبق أن طرحه الأمين العام الأسبق للجامعة العربية 2010 حول ما اسماه «رابطة دول الجوار»، السابق رفضها وقتئذ من دوائر سياسية ودبلوماسية عربية لما يكتنفها من توجسات أن تكون على حساب النظام العربى، الذى طالما بقى على حالته من الضعف والخواء، لن يتوقف السعى على احتوائه من قبل الامبرياليات الدولية والإقليمية المتزاحمة حول الشرق الأوسط.