فى مدينة العقادمجمع الأحياء (35)

فى مدينة العقاد<br /> مجمع الأحياء (35)

اختار العقاد قالبًا خياليًّا افتراضيًا، لمجمع يضم أحياءً من مختلف الأجناس من عالم الإنس وعالم الحيوان، ليعرض فلسفته ومراده من خلال الحوار الذى يدور بينهم، فمع حيرة الآدمى الأولى فى كلمة الحوادث، حين تأمل فى تصاريف الأيام، واختلاف الحظوظ وتباين المقادير، وإدراكه أن الحكمة قد تأتى أحيانا من أفواه المجانين، لم يجد الأدباء بأسًا من جريان الحكمة على لسان الطير والحيوان.. ومن أكثر من ألف سنة أجرى عبد الله بن المقفع حوارًا- بالعربية- على لسان كليلة ودمنة التى وضعها بيدبا الفيلسوف الهندى، وحديثا (1946) وضع الكاتب ?لإنجليزى الساخر «إريك بلير» المشهور باسم: «جورج أورويل» ـ وضع رواية Animal Farm «مزرعة الحيوان»، أجرى فيها الحوارات على لسان حيوانات المزرعة.. ويبدو أن عالم الطير والحيوان عالم جاذب للأدباء والفنانين، ينشدون فيه التصوير كما ينشدون التسلية والمتعة، ويتخذونه وسيلة لبث الحكمة التى تعارف القدماء أنها تأتى أحيانا على لسان المجانين، فلماذا لا تأتى على لسان الحيوان ؟!

لم يحل دون ذلك أن الآدمى من قديم اتخذ «الحيوان» مثالا للدونية، واعتبر أن الترقى من الحيوانية هو معيار الإضافة المحسوبة للجنس البشرى فى رحلة صعوده وترقيه. ظل الآدمى إلى اليوم، يحسب ترقيه بقدر ما استطاع الابتعاد به- بالتهذيب والتأدب والتثقيف- عن الغريزة الحيوانية.. ومع ذلك فإن «الغريزة» ليست بعيدة فى كل الأحوال عن البداهة التلقائية، والحكمة كما تدين للبحث والاجتهاد والتأمل، قد تسقط عفوًا بغير قصد من حكيم أو عاقل أو مجنون ! فلماذا إذن لا تجرى علـى لسان الحيوان ؟!

بدأ العقاد، فى بحثه عن حقيقة الوجود، وطبيعة القوى المسخرة له، من حقيقة لا مراء فيها.. هى اختلاف القياس فى هذا كله باختلاف النظرة التى يُنظر إليه بها ..

وهى لا تخلو من تغليب صالح هذا أو ذاك، أو تقديم صوالح الأمة أو الأمم على صوالح الأفراد أو العكس.. إلى هذا وذاك ترجع الصراعات الإنسانية التى تشكل مشاهد الحروب والقتال والتدمير والهلاك .. لا يترك العقاد هذه القضية دون أن يعرض فيها لوجهات النظر على أسلوب الفلاسفة وأهل الكلام، ولكنه لا يترك القارئ دون أن يودعه نظرته هو ورأيه الذى تهيّأ له بعد طول نظر وتفكر وتأمل ودأب وعناء.. ساعيًا إلى نظرة تدرك من حقائق الكون وحكمته الشاملة، ما لا تدركه البصائر المحدودة.

بالمجاز، يجد العقاد نفسه فى ساعة من زمان، فى غابة من الغابات لا يسميها، تحفل بكل المخلوقات والأجناس.. وإذ به وهو فى وقفتهم المجازية التخيّليّة مع غيره من كائنات الغابة، تهل سيدة تفجأهم بظهورها تتخايل أمامهم عرف أنها الحياة، وإليها ترمز.. هذه الحياة التى يعبدها الناسك والعربيد، ويتمسك بها الأطفال والشيوخ.. فما إن أخذ العقاد يتأملها ملتمسا التعرف على عيوبها ومحاسنها، حتى أنشأت تخاطبهم- فيما أنطقها العقاد- بما عّنَّ لها أن تقول لهم.. قالت الحياة- كما شاء لها العقاد أن تقول ـ إنها جمعت كل هذه المخلوقات لما شجر?بينهم من خلاف وبغضاء، وانقطاع أسباب الرحمة بينهم، وأنها تروم من جمعهم والحديث إليهم نشر السلام بينهم، وحثهم على التقارب والتراحم والتناصح.. وطريقها إلى ذلك أن تدعوهم للكلام، للإبانة عما فى سرائرهم ليفهم بعضهم بعضًا..

كانت اليمامة أول من أذنت لها بالكلام لأنها رمز السلم والسلامة.. قالت اليمامة فيما قالت : «معشر الأحياء.. قال تعالى «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض».. ومصداق هذه الآية أنكم إذا تأملتم فى ملك الله الواسع لوجدتم اليمام والعصافير أكثر من النسور، وصغار الأسماك أوفر من كبار التماسيح والحيتان، والإبل والأغنام أبقى- رغم القتل والذبح- من الأسود والنمور.. تدبروا يا إخوانى كيف جعل الله الكثرة فى جانب الضعف لتعلموا أنه لم يخلق الكائنات المستضعفة عبثًا، ووهبها ?رادة البقاء بالكثرة كما وهب غيرها هذه الإرادة بالقوة.. فتراحموا فيما بينكم، وليعلم أصحاب الحول فيكم أنه ليس من غالب بالقوة اليوم إلاّ وهو مغلوب بها غداً».

(يتبع)