يضرب العقاد مثلا على شدة انحياز المازنى للجد والقداسة، ففى زيارة لهما لساحة المولد النبوى على مقربة من سكن العقاد بالعباسية، جاء ذكر الفيلسوف توماس كارلايل، وما كتبه عن الشخصية المحمدية، فانبرى المازنى يطالب العقاد بأنه أولى بالكتابة عن محمد، ويحثه على القيام بهذا الواجب، مهما يكن من إخلاص بعض الغربيين فى تقدير البطولة المحمدية.
وتصادف أن حضر الحديث فتى متحذلق، يظن ان حرية الفكر تقاس بمقدار التطاول على المقدسات، وعلى مقدسات المسلمين دور سائر العالمين، ففاه بكلمات هازلة عن السيف وتعدد الزوجات، وإذ بالمازنى الوديع الساخر ينتفض غضبًا كأنما لدغته أفعى، ليصف كلمات المتحذلق الدعىّ بالبذاءة والقحة، وبأن هناك ما يستحق الضرب بالحذاء توقيرا للسيف فى مثل هذا المقام..وأعاد المازنى حث العقاد على أن يضع لقراء العربية كتابا عن محمد على النمط الحديث، وروى العقاد هذه الواقعة فى تقديمه لكتابة «عبقرية محمد» الذى ظهر بعد سنوات وتصادف الانتهاء من آخر سطوره فى ذكرى المولد النبوى التى سمع فيها اقتراح المازنى بكتابته.
على أن مرّ الزمن كان يصنع صنيعه فى هذا المزاج الذى وفق هذا التوفيق العجيب بين الجد والقداسة من ناحية، وبين السخرية و «اللامبالاة» فى عالم الأدب وعالم المعيشة العارضة من يوم إلى يوم. فكان من صنيع الزمن أن اتسعت المسافة بين الواقع والمثل الأعلى حتى كادت تنتهى بها إلى الطرفين المتقابلين.. فلم يكن للواقع عنده فى أخريات أيامه نصيب غير التحدى والسخرية والاستخفاف، ولم يكن فيه غير باطل الأباطيل.. ولم يكن فى أكثر الأحيان أهلاً للمصالحة بينه وبين المثل الأعلى فوق عرشه الرفيع!
ومع الأيام عاد المازنى بشئ من الندم إلى نضاله القديم، وحتى استكثر الرد على من ينكرون حقه ويجحدون فضله.. وما كان انكاره لشعره فيما يرى العقاد إلاُّ تحديا منه للإعجاب والاستحسان ممن يظنون أنهم ينعمون عليه بالإعجاب والاستحسان، أو يظنون أنهم يسلبونه نعمه بحجب هذا الإعجاب أو ببخس حقه من التقدير والاستحسان.
فى تلك الفترة كان المازنى يقول ما يقوله وهو لا يبالى ان يحسب كلامه من باب الجد أم من المزاح.. فيقول : إننى فى مصنع النجارة الفنى أعطيكم ما تطلبون، وما بالى أعطيكم كرسى الصالون وأنتم تطلبون كرسى المطبخ ؟!
خدعتة قبل أن تخدع غيرة انسيابية تدفقه وسهولة الكتابة عليه، ففاته كما فات سواه أن «السهل الممتنع» الذى يستطيعه بلامبالاة، مطلب بعيد لمن يسعى إليه فلا يقدر عليه برغم المبالاة والجهد الجهيد..
ربما كانت سهولة الكتابة على المازنى الذى كان يستطيع فى جلسة واحدة أن ينهى المقالة أو القصة وهو يكتبها بنفسه على «التايبرايتر» تقنعه هو نفسه بأنه غير مكترث بما يكتب، ولكنه ينسى أن ما يكتبه بغير اكتراث يحاول المكترثون جهدهم فلا ينتهون إليه.. كانت سرعة كتابته وهو «لا يبالى» أبلغ فى الوصول إلى غاية الشوط من «مبالاة» الآخرين وجهدهم الجهيد!
وهذه فيما يرى العقاد عبقرية المازنى التى لا تجارى : عبقرية تعطى وقائع اليوم حقها، ولا تنسى حقوق المثل العليا فى سماواتها.. وهى على هذا تعطينا نموذج منها فى النكتة مع التلميذ والصاحب وعابر الطريق، كما تعطينا نموذجا منها فى ثمرات الفن والأدب، وتشعر وهى تستخف وتسخر كما تشعر وهى تقدس وتجد، لأنها فيما «تباليه» أو «مالاتباليه»، انما تصدر عن «فرط شعور» وعن تميز واعٍ فاهمٍ بين مواطن النقص والقصور، ومواطن الكمال.
وتصادف أن حضر الحديث فتى متحذلق، يظن ان حرية الفكر تقاس بمقدار التطاول على المقدسات، وعلى مقدسات المسلمين دور سائر العالمين، ففاه بكلمات هازلة عن السيف وتعدد الزوجات، وإذ بالمازنى الوديع الساخر ينتفض غضبًا كأنما لدغته أفعى، ليصف كلمات المتحذلق الدعىّ بالبذاءة والقحة، وبأن هناك ما يستحق الضرب بالحذاء توقيرا للسيف فى مثل هذا المقام..وأعاد المازنى حث العقاد على أن يضع لقراء العربية كتابا عن محمد على النمط الحديث، وروى العقاد هذه الواقعة فى تقديمه لكتابة «عبقرية محمد» الذى ظهر بعد سنوات وتصادف الانتهاء من آخر سطوره فى ذكرى المولد النبوى التى سمع فيها اقتراح المازنى بكتابته.
على أن مرّ الزمن كان يصنع صنيعه فى هذا المزاج الذى وفق هذا التوفيق العجيب بين الجد والقداسة من ناحية، وبين السخرية و «اللامبالاة» فى عالم الأدب وعالم المعيشة العارضة من يوم إلى يوم. فكان من صنيع الزمن أن اتسعت المسافة بين الواقع والمثل الأعلى حتى كادت تنتهى بها إلى الطرفين المتقابلين.. فلم يكن للواقع عنده فى أخريات أيامه نصيب غير التحدى والسخرية والاستخفاف، ولم يكن فيه غير باطل الأباطيل.. ولم يكن فى أكثر الأحيان أهلاً للمصالحة بينه وبين المثل الأعلى فوق عرشه الرفيع!
ومع الأيام عاد المازنى بشئ من الندم إلى نضاله القديم، وحتى استكثر الرد على من ينكرون حقه ويجحدون فضله.. وما كان انكاره لشعره فيما يرى العقاد إلاُّ تحديا منه للإعجاب والاستحسان ممن يظنون أنهم ينعمون عليه بالإعجاب والاستحسان، أو يظنون أنهم يسلبونه نعمه بحجب هذا الإعجاب أو ببخس حقه من التقدير والاستحسان.
فى تلك الفترة كان المازنى يقول ما يقوله وهو لا يبالى ان يحسب كلامه من باب الجد أم من المزاح.. فيقول : إننى فى مصنع النجارة الفنى أعطيكم ما تطلبون، وما بالى أعطيكم كرسى الصالون وأنتم تطلبون كرسى المطبخ ؟!
خدعتة قبل أن تخدع غيرة انسيابية تدفقه وسهولة الكتابة عليه، ففاته كما فات سواه أن «السهل الممتنع» الذى يستطيعه بلامبالاة، مطلب بعيد لمن يسعى إليه فلا يقدر عليه برغم المبالاة والجهد الجهيد..
ربما كانت سهولة الكتابة على المازنى الذى كان يستطيع فى جلسة واحدة أن ينهى المقالة أو القصة وهو يكتبها بنفسه على «التايبرايتر» تقنعه هو نفسه بأنه غير مكترث بما يكتب، ولكنه ينسى أن ما يكتبه بغير اكتراث يحاول المكترثون جهدهم فلا ينتهون إليه.. كانت سرعة كتابته وهو «لا يبالى» أبلغ فى الوصول إلى غاية الشوط من «مبالاة» الآخرين وجهدهم الجهيد!
وهذه فيما يرى العقاد عبقرية المازنى التى لا تجارى : عبقرية تعطى وقائع اليوم حقها، ولا تنسى حقوق المثل العليا فى سماواتها.. وهى على هذا تعطينا نموذج منها فى النكتة مع التلميذ والصاحب وعابر الطريق، كما تعطينا نموذجا منها فى ثمرات الفن والأدب، وتشعر وهى تستخف وتسخر كما تشعر وهى تقدس وتجد، لأنها فيما «تباليه» أو «مالاتباليه»، انما تصدر عن «فرط شعور» وعن تميز واعٍ فاهمٍ بين مواطن النقص والقصور، ومواطن الكمال.
(يتبع)