تابع الفتى الأسوانى نضاله ودأبه الدءوب على القراءة والاطلاع، وعلى الكتابة.. بيد أن نصيب التدريس فى سنوات الحرب العالمية الأولى كان أكبر من نصيب الصحافة التى سارت علاقته بها قليلة متقطعة، ومع ذلك كانت متعددة منوعة، حيث اتصل فيها بألوان من الكتابة الصحفية لم يكن يعرفها قبل ذلك.. فكتب إلى المجلات الشهرية والصحف الأسبوعية، واشتغل بالصحافة اليومية فى غير القاهرة، ومن المفارقات أنه قام على رقابة الصحف- وهى من أبغض الأعمال إليه- أيامًا معدودة، وانتُدب «للمراسلة الحربية» فى صحراء سيناء. ولما كان منظوره لهذه الرقابة يختلف عما اعتاده أكثر الرقباء بإدارة المطبوعات الذين يحسبون أنها «تكميم للأفواه والأقلام»، ومسابقة بينهم وبين الصحف فى المكر والحيلة، فلم يتوافق معهم، وجاءه بعد ثلاثة أيام تنبيه وسؤال عن بعض الأخبار التى تركها للنشر وتحقق لهم أنه لم يحذفها، وفى حديث بعد يومين أو ثلاثة بمكتب الرقيب العام الإنجليزى «هور نبلور» سأله مقطبًا عما إذا كان قد راجع حفنة أخبار قدم إليه جزازاتها من الصحف اليومية والأسبوعية، فلما أجابه بالإيجاب، سأله مستنكرًا كيف أباحها، فرد العقاد بأنها تُباح وأَخْطَر منها بكثير ـ فيما يطلع عليه من الصحف الإنجليزية، فصاح الرجل متهكما : الصحف الإنجليزية ؟!، ثم أردف قائلاً : هل أنت من الحزب الوطنى ؟ فقال العقاد : أنا مصرى وطنى بطبيعة الحال. وانتهى هذا الحوار بعرض العقاد لاستقالته التى قبلها الرقيب ولمّا يمض على بدء مهمته أسبوع واحد !

أما المراسلة الحربية فى سيناء، فقد ندب لها العقاد عن طريق الكتابة فى مجلة المقتطف عن المقارنة بين فلسفة المعرى وفلسفة شوبنهور، وراق لصاحبها يعقوب صروف الذى بعث إليه بالأستاذ نجيب شاهين على مدرسة وادى النيل الثانوية التى كان العقاد يدرس فيها، راق له أن يعهد إليه بمهمة تغطية الأخبار فى الخطوط الأمامية فى صحراء سيناء، ووصفها بأسلوبه المعهود.

على أن الاتفاق لم يتم، لرأى العقاد الخاص فى أن مصر هى التى يجب أن تتولى الدفاع عن حدودها موفورة السلاح والاستقلال، وألاَّ تتولاه- بداهة- فى ظل الاحتلال والحماية المفروضة عليها، فلما أبداه تذكر الدكتور يعقوب صروف ما كان يبديه من هذا الرأى خلال زياراته السابقة بشأن نشر مقالات الأدبية بالمقتطف، فأبدى الدكتور أنه لو رأى فى اقتراحه له شيئا لا يسيغه لما فاتحه به، وجعل يقول مازحًا : إذن تعود إلى المعرى وشوبنهور !

هو والمازنى بين الموت والحياة

وقبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى عاد العقاد- على غير انتظار- إلى التحرير فى الصحف، فالعمل فى التدريس لا أمل فيه بعد أن مارسه سنين مع صديقة المازنى فى كبرى المدارس الثانوية، والتى جرت العادة أن ينتهى عملهما فيها بأزمة من أزمات الخلاف على تصحيح أوراق الامتحان التى كانت المدارس تنظر إليها ضمن الرصيد المنتظر فى حساب المصروفات.

وحين تركا العمل، خرجا من المدرسة متفقين على سكنى الأمام الشافعى حيث تقيم أسرة المازنى من زمن بعيد، وقدرا أن اختزال النفقات بالسكنى بين عالم الحياة وعالم الموت قد يغنيهما عن التعجل فى طلب العمل بضعة أشهر.

ووجد المازنى عملاً ناظرًا للمدرسة المصرية الثانوية، ولبث العقاد بالقاهرة يترقب أوائل الشتاء على أمل عمل يتهيأ له يرتضيه، أو هى الرحلة مرة أخرى إلى أسوان.

وعلى خلاف توقعاته وقد نضب معين الصحف و اختزلت كل من المقطم والأهرام إلى ورقة واحدة من صفحتين ولدى دخول العقاد المكتبة التى اعتاد ارتيادها كل سبت، فوجئ بصاحبها يصيح به أن الأستاذ «عبد القادر حمزة» حفيت قدماه فى البحث عنه، فأوصى الأستاذ «عبد المؤمن كامل حكيم» بالبحث عن مكانه والاتصال به، وعلم منه العقاد أنه مطلوب للتحرير فى صحيفة «الأهالى» بالإسكندرية، وأنه يستطيع أن يعد نفسه للسفر خلال أسبوعين أو ثلاثة، وأن لدى الأستاذ عبد المؤمن تفويضا بتسليمه مرتب شهر وتكاليف السفر، وأن لديه تفويضا أيضا بمراجعة الصحيفة فى تقدير المرتب إذا كان لا يرضاه