بقى العقاد فى تحرير صحيفة «الدستور» حتى عددها الأخير، مكبرًا فى صاحبها محمد فريد وجدى مروءته التى أبت أن يماطل أحدًا من أصحاب الديون عليها، فاتفق مع تاجر من تجار الورق المشهورين على أن يشترى مؤلفاته جملة واحدة سدادًا لثمن الورق وما إليه، واتفق معه على أن يشترى النسخ من الموظفين والعمال بأثمانها المتفق عليها، ويتذكر العقاد أن ثمن النسخة من معجم «كنز العلوم واللغة» لم يزد فى هذا الاتفاق على 13 قرشًا، وكانت تباع قبل ذلك بمائة قرش، ثم بيعت بعد أشهر قليلة بخمسين قرشًا، ثم بسبعين قرشًا.
كان لدى الرجل رجاء فى أن يعيد إحياء مجلة «الحياة» الشهرية التى كان يصدرها، وكان يكتب فيها مقامات خيالية تسمى بالوجديات، وقال للعقاد فى وداعهما أنه يرجو أن يتعاونا قريبًا فى عمل صحفى هما أقدر عليه وأصلح له من الصحافة السياسية، وأن مجلة «الحياة» أولى بمقالات العقاد من الصحيفة اليومية.
ولكن مضت الأسابيع والعقاد بلا عمل، ليعيش أزمة طالت، نرى من خلالها كيف كانت لهذا الفتى العصامى القادم من أسوان إرادة حديدية فى الاستمرار الدءوب رغم الضيق الخانق.. كان أفق الصحافة فى تلك الآونة مظلمًا يطبق عليه الظلام من كل جانب، ولا تلوح منه شعاعة أمل.. وشملت الأزمة الصحف الثلاث اليومية.
كانت صحيفة «اللواء» تعول فى حياة مصطفى كامل على موارد يلدز وعابدين ومعونة بعض الغيورين من سراة المصريين والترك، فانقطعت موارد يلدز وعابدين من قبل وفاته، واستحكم العداء بين الخديو وحاشيته وبين خليفة مصطفى كامل «محمد فريد».. الذى كاد ينهض وحده بأعباء اللواء المالية والسياسية، لولا ما أصابه من مصادرات ومحاكمات حتى أجمع عزيمته آخر الأمر على هجرة الديار..
وكانت صحيفة «المؤيد» تزدهر إبان نشاط صاحبها «على يوسف»، ثم نكب هذا الرجل العصامى نكبة قاسية عصفت بنشاطه إذ فجعته المنية فى وحيده، ولاحقته مشكلة زواجه من بيت السادات، ومازال دبيب الملل مع المشاكل يسرى إليه ويزهده فى صحيفته العزيزة عليه حتى تركها بعد حين لا يبالى بما سوف تلقاه، أو يلقاه!
وكانت «الجريدة» أسلم الصحف من هذه العوارض، ولكنها لم تسلم من ضربات خصومها السياسيين وفى مقدمتهم الحاشية الخديوية، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية.
تلك كانت هى حال الصحف اليومية التى لا أمل بأحوالها للعمل فيها، أما الصحف الأسبوعية فلم يكن فيها مجال لغير أصحابها أو لغير كتاب المقالات.. بالقطعة على حسب الطلب، وعلى كل لون، وفى عرض الطريق. وزاد الطين بلة أن أطبق على الصحافة قانون المطبوعات الرهيب الذى كان قد انطوى بعد نشره فى أيام الثورة العرابية، ولكن ما لبث أن عاد إلى الظهور، فيما بدا أن الصحافة تحفر قبرها بيدها، حين كان جمهرة الصحفيين الأسبوعيين يستبيحون فى ذلك الحين كل محظور للتشهير واستغلال الفضائح وافتراء الأكاذيب لاغتصاب «الأتاوات» باسم «الاشتراكات» أو التبرعات الوطنية.
وشاء للصحافة سوء حظها وحظ الأمة، أن يكون ممثلو البلاد أكبر أهدافها وأول المصابين بسهامها، وكان للتشهير بأعضاء مجلس الشورى بابًا ثابتًا من أبواب كل صحيفة أسبوعية تبحث عن الفريسة بين ذوى الأسماء المعروفة، حتى قال أحد الضحايا للأمير حسين كامل مستثيرًا لنخوته : هل يرضيك يا صاحب السمو أن يقال عنك إنك رئيس مجلس الشوربة ؟!
وعلى هذا الحال ابتليت البلاد بالنكسة، فتنادى بالحجر على حرية الصحف من كانوا أولى الناس بالغيرة على حريتها!
القائمة السوداء!
طالت محنة الصحافة، وطالت معها حيرة العقاد بين العمل فيها والعمل فى غيرها، وأين يكون العمل فى غيرها ؟
لم يبق أمامه سوى التدريس، فإن لم يتيسر فى المدارس الأهلية، فقد يتيسر بإعطاء الدروس الخصوصية، أما وظيفة الحكومة فهيهات، فهو إن طلبها بعد نفوره منها وتركها، فإن قبوله بها صار من المستحيلات بعد أن أدرج اسمه فى سجلات الحكومة بالقائمة السوداء!
ما العمل ؟ إن نفسه تكره طلب المعونة من الميسورين من أهله، وكيف وقد تحداهم وخيب رجاءهم بالخروج من الخدمة الأميرية ؟! وشق عليه أن يطلب معونة مَنْ رَفَضَ نصيحتهم!
لم يجد أمامه سوى الكتب التى صارت لديه بالمئات بعد أن دأب على جمعها ثلاث سنوات.. تباع تحت إلحاح الحاجة للبيع السريع، وبما لا يكفى إلاَّ لقوت اليوم واليومين والأسبوع.. وكان الأمل أن يسعفه هذا المورد مع الدروس الخصوصية بضعة شهور.. لولا أن تعرض لمكايد بعض بنات حواء حيث كان يسكن فى ضاحية كالقرية فى حدائق القبة، وصدق أصحاب المنزل الذى يقطن فيه وشاية مفتراة أنه يبيع كتبه تباعًا للهروب دون سداد الأجرة المتأخرة عليه، فحالوا بينه وبين أول «رصة» من الكتب خرج بها بعد هذه الوشاية، وكادت أن تكون مشاجرة ريفية من طراز الشجار بالنبوت، ولكن الله سلم وألهمه أن يسلم إليهم الكتب ويمضى بسلام، ويومها اقترض العقاد أجرة السفر، وشد رحاله عائدًا إلى أسوان!
كان لدى الرجل رجاء فى أن يعيد إحياء مجلة «الحياة» الشهرية التى كان يصدرها، وكان يكتب فيها مقامات خيالية تسمى بالوجديات، وقال للعقاد فى وداعهما أنه يرجو أن يتعاونا قريبًا فى عمل صحفى هما أقدر عليه وأصلح له من الصحافة السياسية، وأن مجلة «الحياة» أولى بمقالات العقاد من الصحيفة اليومية.
ولكن مضت الأسابيع والعقاد بلا عمل، ليعيش أزمة طالت، نرى من خلالها كيف كانت لهذا الفتى العصامى القادم من أسوان إرادة حديدية فى الاستمرار الدءوب رغم الضيق الخانق.. كان أفق الصحافة فى تلك الآونة مظلمًا يطبق عليه الظلام من كل جانب، ولا تلوح منه شعاعة أمل.. وشملت الأزمة الصحف الثلاث اليومية.
كانت صحيفة «اللواء» تعول فى حياة مصطفى كامل على موارد يلدز وعابدين ومعونة بعض الغيورين من سراة المصريين والترك، فانقطعت موارد يلدز وعابدين من قبل وفاته، واستحكم العداء بين الخديو وحاشيته وبين خليفة مصطفى كامل «محمد فريد».. الذى كاد ينهض وحده بأعباء اللواء المالية والسياسية، لولا ما أصابه من مصادرات ومحاكمات حتى أجمع عزيمته آخر الأمر على هجرة الديار..
وكانت صحيفة «المؤيد» تزدهر إبان نشاط صاحبها «على يوسف»، ثم نكب هذا الرجل العصامى نكبة قاسية عصفت بنشاطه إذ فجعته المنية فى وحيده، ولاحقته مشكلة زواجه من بيت السادات، ومازال دبيب الملل مع المشاكل يسرى إليه ويزهده فى صحيفته العزيزة عليه حتى تركها بعد حين لا يبالى بما سوف تلقاه، أو يلقاه!
وكانت «الجريدة» أسلم الصحف من هذه العوارض، ولكنها لم تسلم من ضربات خصومها السياسيين وفى مقدمتهم الحاشية الخديوية، وحزب الإصلاح على المبادئ الدستورية.
تلك كانت هى حال الصحف اليومية التى لا أمل بأحوالها للعمل فيها، أما الصحف الأسبوعية فلم يكن فيها مجال لغير أصحابها أو لغير كتاب المقالات.. بالقطعة على حسب الطلب، وعلى كل لون، وفى عرض الطريق. وزاد الطين بلة أن أطبق على الصحافة قانون المطبوعات الرهيب الذى كان قد انطوى بعد نشره فى أيام الثورة العرابية، ولكن ما لبث أن عاد إلى الظهور، فيما بدا أن الصحافة تحفر قبرها بيدها، حين كان جمهرة الصحفيين الأسبوعيين يستبيحون فى ذلك الحين كل محظور للتشهير واستغلال الفضائح وافتراء الأكاذيب لاغتصاب «الأتاوات» باسم «الاشتراكات» أو التبرعات الوطنية.
وشاء للصحافة سوء حظها وحظ الأمة، أن يكون ممثلو البلاد أكبر أهدافها وأول المصابين بسهامها، وكان للتشهير بأعضاء مجلس الشورى بابًا ثابتًا من أبواب كل صحيفة أسبوعية تبحث عن الفريسة بين ذوى الأسماء المعروفة، حتى قال أحد الضحايا للأمير حسين كامل مستثيرًا لنخوته : هل يرضيك يا صاحب السمو أن يقال عنك إنك رئيس مجلس الشوربة ؟!
وعلى هذا الحال ابتليت البلاد بالنكسة، فتنادى بالحجر على حرية الصحف من كانوا أولى الناس بالغيرة على حريتها!
القائمة السوداء!
طالت محنة الصحافة، وطالت معها حيرة العقاد بين العمل فيها والعمل فى غيرها، وأين يكون العمل فى غيرها ؟
لم يبق أمامه سوى التدريس، فإن لم يتيسر فى المدارس الأهلية، فقد يتيسر بإعطاء الدروس الخصوصية، أما وظيفة الحكومة فهيهات، فهو إن طلبها بعد نفوره منها وتركها، فإن قبوله بها صار من المستحيلات بعد أن أدرج اسمه فى سجلات الحكومة بالقائمة السوداء!
ما العمل ؟ إن نفسه تكره طلب المعونة من الميسورين من أهله، وكيف وقد تحداهم وخيب رجاءهم بالخروج من الخدمة الأميرية ؟! وشق عليه أن يطلب معونة مَنْ رَفَضَ نصيحتهم!
لم يجد أمامه سوى الكتب التى صارت لديه بالمئات بعد أن دأب على جمعها ثلاث سنوات.. تباع تحت إلحاح الحاجة للبيع السريع، وبما لا يكفى إلاَّ لقوت اليوم واليومين والأسبوع.. وكان الأمل أن يسعفه هذا المورد مع الدروس الخصوصية بضعة شهور.. لولا أن تعرض لمكايد بعض بنات حواء حيث كان يسكن فى ضاحية كالقرية فى حدائق القبة، وصدق أصحاب المنزل الذى يقطن فيه وشاية مفتراة أنه يبيع كتبه تباعًا للهروب دون سداد الأجرة المتأخرة عليه، فحالوا بينه وبين أول «رصة» من الكتب خرج بها بعد هذه الوشاية، وكادت أن تكون مشاجرة ريفية من طراز الشجار بالنبوت، ولكن الله سلم وألهمه أن يسلم إليهم الكتب ويمضى بسلام، ويومها اقترض العقاد أجرة السفر، وشد رحاله عائدًا إلى أسوان!