لعل من حسن الطالع أن تتوفر للرئيس «السيسى» فى عامه الأول.. بعض خصال ميزت كلًا من الرؤساء المصريين من قبله، جسارة «عبدالناصر».. والخيال السياسى لـ«السادات».. وحرص «مبارك»، إذ تحسب لجسارته تلبيته رغبة شعبية للإطاحة بنظام كاد أن يغير إلى الأسوأ وجه الحياة المجتمعية لمصر، مثلما أطلق لخياله الاستراتيجى أن يحلق خارج الأفكار والسياسات المعمول بها إقليمياً ودولياً، وليتجلى حرصه فى العمل على تجنيب البلاد أن تتعرض لمخاطر الارتداد عن سياسيات تعاقدية باتت من فرط توثيقها أشبه بالحقائق الثابتة على الصعيدين الداخلى والخارجى.
على صعيد موازٍ، يسعى «الرئيس» للعمل على تنمية إرادة شعبية، تكاسلت طويلاً من قبل لأسبابها، ذلك بهدف الوصول بالبلاد إلى «مكانة رائدة اقتصادياً»، يعززها بناء مشاريع قومية عملاقة على أساس «برنامج إصلاحى هيكلى».. سوف تتيح له المتابعة الرشيدة بلوغ منتهاه، ذلك جنباً إلى جنب عزم لا يلين على مواصلة الحرب ضد تنظيمات أيديولوجية تتخذ من العنف وسيلة لفرض أدبياتها- عبر شبكة إرهابية منسقة- تمارس فى الوادى عملياتها، كما فى اثنين من حصون مصر الطبيعية الأربعة، سيناء وفى الصحراء الغربية، دون أن يغيب عن سياسة مصر الخارجية تأمين علاقاتها عبر الحصنين الطبيعيين الآخرين، السودان (وادى حلفا) وفى البحر المتوسط (شرق البحر وغربه)، أضف إلى ما سبق بذل جهد أشبه بالجهاد الأكبر مع النفس.. لتحمل أعباء متراكمة، تعليمية- صحية- ثقافية- سلوكية.. وما إلى ذلك من طموحات مجتمعية أساسية قد يعجز أى حاكم عن بلوغ مراميها.. ما لم يدعمه ظهير شعبى يمتلك الدربة- والحنكة والصبر والمثابرة.. فضلاً عن حسن التنظيم والمتابعة.
لقد أثبتت تطورات الأحداث فى العام المنصرم، ليس فقط تميز «السيسى» بخصال إيجابية عن أسلافه، إنما لما يتمتع به أيضاً من مقومات «علمية» فاقت أقرانه، وإلى قدر كبير من الصدق مع النفس، وطبيعة تفاؤلية ليست بعيدة عن واقع الأمور.. إلى المصارحة عند اتخاذ قرارات تتصل باحتياجات معيشية للمواطنين.. مع قدرة غير اعتيادية للتواصل مع الناس من مختلف المشارب الاجتماعية والثقافية، حبذا لو تأكد ذلك بإعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة كالعهد بها مطلع السبعينيات حين أنجزت للبلاد وقتئذ أعظم مآثرها، وهو ما يؤهل إيجاباً لتحديد الأولويات والتوقيتات فى إطار تصور عام للنهج الاقتصادى والاجتماعى والتنموى.. إلخ».
فى سياق متصل، يمكن القول إن العام الأول لولاية «السيسى» لم يشهد أخطاء استراتيجية، إلا أن التفاصيل على مستوى الممارسة التكتيكية- لو لم يحسن مباشرتها- فقد تحمل فى طياتها معظم النار من مستصغر شررها (..).. قد يكون أهمها الانتهاء من قانون الانتخابات البرلمانية التى تسهم مستقبلاً فى تطور الحياة الحزبية والديمقراطية، كذا بالنسبة للعمل من خلال إجراءات محددة على إعادة التوازن النفسى والاجتماعى لطبقات مسحوقة جيلاً بعد آخر، إلى تطوير جهاز الدولة ومحاربة الفساد، ولإعادة التوازن بين الحلول السياسية والضرورات الأمنية، ودون استثناء دعم المجتمع المدنى كضرورة لمراقبة الأداء العام وتطويره، ناهيك عن معالجة ما يمكن أن يطلق عليه تلوث الرسائل الإعلامية وتناقضها.
نعم، إن تجربة «السيسى» فى الوصول إلى الحكم.. تختلف تماماً عن تجارب أسلافه السابقين، ملوكاً كانوا أم رؤساء، لذلك فإن أسلوب معالجته للتحديات الداخلية والخارجية.. التى لم تتغير كثيراً عن العصور السابقة، يجب أن يكون مغايراً لما درج عليه السلف، وكانت نتيجته فى المجمل كقبض الريح، إذ إنه أول حاكم تخرج إليه ملايين الشعب لتنصيبه، ما يجعله أقوى جسارة فى التصدى للتحديات.. وأكثر ثقة للتحليق بخياله الإستراتيجى.. وأشد حرصاً فى تجنيب البلاد العراقيل التى تتزايد- تاريخياً- كلما تقدمت مصر للأمام.