يستكمل العقاد ما بدأه فى بيان رأيه هو فى المرأة. فيبدى أنها وفية بالفطرة رضيت أم لم ترض ؛ وأنها صادقة حيت أرادت وحيث لا تريد، ومهما يؤخذ على المرأة من شئ فى أهوائها وأخلاقها فذلك سيئة الحياة لا سيئتها، وأولى بنا أن نعتبر هذه السيئة فى الظاهر ـ حسنة نافعة فى الحقيقة وفضيلة مطلوبة، سيما إذا نظرنا إليها فى الأمد البعيد على طول السنين والأجيال. فقد خلقت المرأة رسولاً للجسد وحارسًا للنفس، وهى تعرف بحكم ذلك رسالتها وتقوم بحراستها، وهى أحرص ما تكون على هذا السر الذى أودعته الحياة فيها لتسلمه للخلود.
وجدير بالذكر أن المتجول فى مدينة العقاد، يحتاج إلى التأمل بعمق فى رأى العقاد هنا، ورأيه الذى أبداه فى الفصل الأول من كتابه : «هذه الشجرة» أو «الإنسان الثانى» ( 1912)، ليعرف أن «الغواية» و «الولع بالممنوعات» ـ اللذين يقصدها العقاد هناك- لا يتعارضان مع ما أسبغة على حواء هنا من صفات، وأنها قادرة بما توحى به الفطرة أن ترى «القطا» من مسيرة الأبد لا من مسيرة ثلاثة أيام.. والقطا نوع من اليمام يؤثر الحياة فى الصحراء، ويبحث عن بغيته فى الأرض، ويقطع مسافات شاسعة قى طيرانه فى جماعات.
لا تثريب ولا بأس على المرأة أن تحب الشباب، فمن ذا الذى لا يحب الشباب ؟؟ إن الشباب نفحة الخلود وروح من روح الله، أفرغ عليه الأقدمون كساءً سرمديًّا من نسيج بهى متجدد.
والذين ألفوا أن يلصقوا الشباب بحضيض الأرض ويستصغرونه، يقعون فى الخطأ ويظلمون.. مرد ذلك أنهم لا يرون فيه إلاَّ شهوات وأرجاس وما هذا إلاَّ حظ قليل من حظوظ الشباب، ويختلس من «الأمانة الهائلة» التى يشتمل عليها الشباب، وما يشتمل عليها إلاَّ لفائدة الإنسانية كلها. بل لفائدة الحياة التى تتخذ الإنسانية آلةً من آلاتها وجسرًا لها إلى غايتها.
والمرأة فيما يقول العقاد- تُساق سوقًا إلى عشق هذا الشباب الذى ليس لذاتها منه إلاَّ نصيب قليل، ولو نظرت إليه بعين التاجر لرفضته لأنها تخسر منه أكثر مما تربح، وتشقى به أضعاف ما تسعد؛ ولكنها تنظر إليه بعين المجاهد المغامر الذى تغلبه على رشده حماسة الحرب ونخوة البطولة. وهذا «تفدية» لا تستحق من العارفين بقدر الحياة ـ إلاَّ كل إجلال.
أما أن المرأة تحب المال، فمن ذا الذى يكره المال ؟ على أن لها سببًا فى ذلك غير سائر الأسباب التى تغرى بحب المال، نراه حين نتأمل فى أن المال أسهل الطرق والأساليب لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأقرب الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار إليه، فضلا عن الإكبار والإعجاب.
كان أغنى الرجال فى القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب وأجرأهم على الغارات، فكان الغِنَى قرين الشجاعة والقوة والحمية، وعنوانا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء. فلما تقدم الزمان، صار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق وتجشم الأخطار وأقدرهم على حسن التدبير، فبقى الغِنَى قرين الشجاعة أيضا وقوة الإرادة وعلو الهمة. فلما تقدم الزمان أكثر صار أغنى الرجال أبعدهم نظرًا وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلقا وأقواهم على المثابرة والجلد والثبات، فصار الغِنَى قرين الثبات أيضا والنشاط وجودة النظر فى الأمور.
وهكذا تجد أن اكتساب المال دليل فى كل عصر على «جدارة» توحى إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار الأجدر بحبها، وأصلح الآباء لأبنائها، وأقواهم على حمل مسئولية الأسرة ومطالبها. فلا تثريب عليها إذن، وقد اعتادت قرونا طويلة على التعامل مع مجتمع ذكورى لا يتيح لحواء ما يتيحه للرجال، أن يكون هذا المعيار من معايير هداية الغريزة فى طلب الأمان والسعى إلى كنف عزيز يكفل ما لا تثريب عليها فى كفالته لها ولأسرتها.
وها هو العقاد قد ترك المعرى، وطفق يرد على سوء رأيه وأجيال بكاملها فى المرأة، فينتقل إلى ما يعاب عليها من تناقض شديد فى الأخلاق والأطوار، يتراوح بين العناد
و الغطرسة ونقيضها، أو الحكمة الحاذقة وعكسها، أو الصبر و الجزع، أو القوة واللين، أو القسوة والحنان.. فلا توسط فى فضائلها ولا اعتدال فى نزعاتها..
ويحسب العقاد أن هذا من مقتضيات طبيعة المراة وضرورات وظيفتها.. فهى قد خلقت يتنازعها إحساسان قويان : إحساس العاشقة، وإحساس الوالدة، وكل من الإحساسين له مرامه البعيد والقريب، وكثيرا ما يعتمل فى نفسها ثورة «المزاحمة» بينهما.. فإذا تنبه فيها إحساس «العاشقة» رامت من الرجل مرامًا بعيدًا، وسَرَّها منه أن يكون غلاّبًا مستعليا مجازفًا فى مطامعه، وإذا تنبه فيها إحساس «الأمومة» آثرت الرفق والهوينى وودت لو كانت الأرض رخاءً كلها بلا حرب ولا خصومة ولا غل ولا ملاحاة، ولا شئ إلاَّ المودة والسماحة والحسنى.
وقد ينشأ عن هذين الإحساسين : العشق، والأمومة، تناقض آخر فى كثير أو قليل من الهنات والبدوات، فسواء نظرت المرأة بعين العشق أو بعين الحنان الأموى، فإنها تنقاد فى الحالين للغريزة والشعور، فلا تملك إرادتها ولا تستمع لنصيحة العقل إذا أمرها ونهاها، فتكون عرضةً للتناقض كأنها سفينة تختلف عليها مهاب الرياح.
ولايبرئ العقاد المرأة من «الرياء»، ولكنه يظن أنه أنفع من صراحتها وأصدق فى نظر الحياة من صدقها، فالمرأة مجبولة على «الزينة» و«التمنع».. والزينة ضرب- مع الفارق- من الرياء، ولكنه ينتسب إلى حب الجمال ونواميس الطبيعة، والمنع خلة تبلو بها المرأة أقصى ما عند الرجل، لكيلا تسلم قلبها إلاَّ لمن يستحقه ويستحق شرف الأبوة لأبنائها.
إن الزينة عناية بالظواهر، والتمنع إخفاء لما فى باطن النفس. وكلاهما لازم للمرأة أو للطبيعة، وكلاهما يستدعى ما يوصف بالرياء والمحاولة.. فإذا ما تأملنا وخُيَّرنا، بدا أمامنا أن فلسفة الطبيعة أصدق وأحكم لأنها بعيدة الغور فى الحياة.
وجدير بالذكر أن المتجول فى مدينة العقاد، يحتاج إلى التأمل بعمق فى رأى العقاد هنا، ورأيه الذى أبداه فى الفصل الأول من كتابه : «هذه الشجرة» أو «الإنسان الثانى» ( 1912)، ليعرف أن «الغواية» و «الولع بالممنوعات» ـ اللذين يقصدها العقاد هناك- لا يتعارضان مع ما أسبغة على حواء هنا من صفات، وأنها قادرة بما توحى به الفطرة أن ترى «القطا» من مسيرة الأبد لا من مسيرة ثلاثة أيام.. والقطا نوع من اليمام يؤثر الحياة فى الصحراء، ويبحث عن بغيته فى الأرض، ويقطع مسافات شاسعة قى طيرانه فى جماعات.
لا تثريب ولا بأس على المرأة أن تحب الشباب، فمن ذا الذى لا يحب الشباب ؟؟ إن الشباب نفحة الخلود وروح من روح الله، أفرغ عليه الأقدمون كساءً سرمديًّا من نسيج بهى متجدد.
والذين ألفوا أن يلصقوا الشباب بحضيض الأرض ويستصغرونه، يقعون فى الخطأ ويظلمون.. مرد ذلك أنهم لا يرون فيه إلاَّ شهوات وأرجاس وما هذا إلاَّ حظ قليل من حظوظ الشباب، ويختلس من «الأمانة الهائلة» التى يشتمل عليها الشباب، وما يشتمل عليها إلاَّ لفائدة الإنسانية كلها. بل لفائدة الحياة التى تتخذ الإنسانية آلةً من آلاتها وجسرًا لها إلى غايتها.
والمرأة فيما يقول العقاد- تُساق سوقًا إلى عشق هذا الشباب الذى ليس لذاتها منه إلاَّ نصيب قليل، ولو نظرت إليه بعين التاجر لرفضته لأنها تخسر منه أكثر مما تربح، وتشقى به أضعاف ما تسعد؛ ولكنها تنظر إليه بعين المجاهد المغامر الذى تغلبه على رشده حماسة الحرب ونخوة البطولة. وهذا «تفدية» لا تستحق من العارفين بقدر الحياة ـ إلاَّ كل إجلال.
أما أن المرأة تحب المال، فمن ذا الذى يكره المال ؟ على أن لها سببًا فى ذلك غير سائر الأسباب التى تغرى بحب المال، نراه حين نتأمل فى أن المال أسهل الطرق والأساليب لاختبار قوة الرجل وحيلته، وأقرب الظواهر إلى اجتذاب القلوب والأنظار إليه، فضلا عن الإكبار والإعجاب.
كان أغنى الرجال فى القرون الأولى أقدرهم على الاستلاب وأجرأهم على الغارات، فكان الغِنَى قرين الشجاعة والقوة والحمية، وعنوانا على شمائل الرجولة المحببة إلى النساء. فلما تقدم الزمان، صار أغنى الرجال أصبرهم على احتمال المشاق وتجشم الأخطار وأقدرهم على حسن التدبير، فبقى الغِنَى قرين الشجاعة أيضا وقوة الإرادة وعلو الهمة. فلما تقدم الزمان أكثر صار أغنى الرجال أبعدهم نظرًا وأوسعهم حيلة وأكيسهم خلقا وأقواهم على المثابرة والجلد والثبات، فصار الغِنَى قرين الثبات أيضا والنشاط وجودة النظر فى الأمور.
وهكذا تجد أن اكتساب المال دليل فى كل عصر على «جدارة» توحى إلى نفس المرأة ما يعين غريزتها على اختيار الأجدر بحبها، وأصلح الآباء لأبنائها، وأقواهم على حمل مسئولية الأسرة ومطالبها. فلا تثريب عليها إذن، وقد اعتادت قرونا طويلة على التعامل مع مجتمع ذكورى لا يتيح لحواء ما يتيحه للرجال، أن يكون هذا المعيار من معايير هداية الغريزة فى طلب الأمان والسعى إلى كنف عزيز يكفل ما لا تثريب عليها فى كفالته لها ولأسرتها.
وها هو العقاد قد ترك المعرى، وطفق يرد على سوء رأيه وأجيال بكاملها فى المرأة، فينتقل إلى ما يعاب عليها من تناقض شديد فى الأخلاق والأطوار، يتراوح بين العناد
و الغطرسة ونقيضها، أو الحكمة الحاذقة وعكسها، أو الصبر و الجزع، أو القوة واللين، أو القسوة والحنان.. فلا توسط فى فضائلها ولا اعتدال فى نزعاتها..
ويحسب العقاد أن هذا من مقتضيات طبيعة المراة وضرورات وظيفتها.. فهى قد خلقت يتنازعها إحساسان قويان : إحساس العاشقة، وإحساس الوالدة، وكل من الإحساسين له مرامه البعيد والقريب، وكثيرا ما يعتمل فى نفسها ثورة «المزاحمة» بينهما.. فإذا تنبه فيها إحساس «العاشقة» رامت من الرجل مرامًا بعيدًا، وسَرَّها منه أن يكون غلاّبًا مستعليا مجازفًا فى مطامعه، وإذا تنبه فيها إحساس «الأمومة» آثرت الرفق والهوينى وودت لو كانت الأرض رخاءً كلها بلا حرب ولا خصومة ولا غل ولا ملاحاة، ولا شئ إلاَّ المودة والسماحة والحسنى.
وقد ينشأ عن هذين الإحساسين : العشق، والأمومة، تناقض آخر فى كثير أو قليل من الهنات والبدوات، فسواء نظرت المرأة بعين العشق أو بعين الحنان الأموى، فإنها تنقاد فى الحالين للغريزة والشعور، فلا تملك إرادتها ولا تستمع لنصيحة العقل إذا أمرها ونهاها، فتكون عرضةً للتناقض كأنها سفينة تختلف عليها مهاب الرياح.
ولايبرئ العقاد المرأة من «الرياء»، ولكنه يظن أنه أنفع من صراحتها وأصدق فى نظر الحياة من صدقها، فالمرأة مجبولة على «الزينة» و«التمنع».. والزينة ضرب- مع الفارق- من الرياء، ولكنه ينتسب إلى حب الجمال ونواميس الطبيعة، والمنع خلة تبلو بها المرأة أقصى ما عند الرجل، لكيلا تسلم قلبها إلاَّ لمن يستحقه ويستحق شرف الأبوة لأبنائها.
إن الزينة عناية بالظواهر، والتمنع إخفاء لما فى باطن النفس. وكلاهما لازم للمرأة أو للطبيعة، وكلاهما يستدعى ما يوصف بالرياء والمحاولة.. فإذا ما تأملنا وخُيَّرنا، بدا أمامنا أن فلسفة الطبيعة أصدق وأحكم لأنها بعيدة الغور فى الحياة.