إسرائيل فى سعيها لأن تكون قوة إقليمية عظمي

إسرائيل فى سعيها لأن تكون قوة إقليمية عظمي


كان حافظ إسماعيل قد كتب فى 1992/1/29، لصحيفة البيان الإماراتية، ينبه إلى أهداف إسرائيل، وإلى سعيها لأن تكون قوة إقليمية عظمى، فنبه إلى أن التطور الإسرائيلى المتصاعد، لم يجئ عفو الخاطر، وإنما فى إطار مخطط مدروس ينتهز لتحقيقه الفرص والظروف المواتية، وأن المدقق فى حركة إسرائيل سوف يتعرف على ثلاث مراحل متتالية بإيقاع منتظم حتى ليخالها من صنع هيئة واحدة، وصنعت لها السمات الآتية:

أولاً: أن كل مرحلة جاءت فى أعقاب نهاية حرب عالمية، ارتبطت فيها اليهودية العالمية بإحدى القوى الكبرى، فجاءت المرحلة الأولى عقب الحرب العظمى الأولى ( 1914 - 1918 )، وتلت المرحلة الثانية الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945 )، وارتبطت المرحلة الثالثة بنهاية الحرب الباردة.

ثانيًا:أن هدف إسرائيل المرجو، كان بصفة عامة محددًا بصورة واقعية، تتناسب والمركز الذى أمكن تحقيقه بفضل حليف اليهودية العالمية كثمن لمساندتها له لينتصر فى الحرب.

ثالثًا:أن المجتمع اليهودى فى فلسطين كانت له حكومة قوية يمكنها استغلال الوضع الدولى، وتحقيق الهدف القومى وسط أنواء عصفت بالعالم وفى قلبه الشرق الأوسط.

واليوم (1992) بلغت إسرائيل عامها الخامس والسبعين منذ تحولت إلى واقع الفكرة التى طرحتها الصهيونية العالمية فى مؤتمر بال أو بازل بسويسرا فى 29 أغسطس 1897م.

ولعلنا نتذكر- فيما أعرب حافظ- أن فكرة مجتمع يهودى يدين لباريس بالولاء، قد جاء بها نابليون لوقف المد البريطانى نحو الهند، ثم التقطها البريطانيون من بعده، وتشبث بها يهود العالم.

المرحلة الأولى: الوطن القومى لليهود

شهدت نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، بداية المرحلة الأولى لإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، بإعلان بلفور وزير الخارجية البريطانى فى 2 نوفمبر 1917. وقد جاء هذا الوعد أو الالتزام البريطانى بنهايات الحرب العالمية الأولى- تلبية أو وفاء بموقف اليهودية العالمية من بريطانيا والحلفاء فيها، ووافقت عليه الولايات المتحدة.

ولم يكن فى تخطيط اليهود الإفصاح آنذاك عن كامل نواياهم وهدفهم النهائى، فكان الاكتفاء بوعد العودة إلى «أرض الأجداد»، وفرارًا من الاضطهاد الروسى. على أن اليهود اعتبروا بريطانيا- رغم ما قدمته لهم- قد خانتهم بعدم شمول الوعد شرق الأردن، الذى انتزعته بريطانيا ونصبت الإمارة عليه للأمير عبد الله. وقد استند المندوب السامى البريطانى لقوة الاحتلال للتمكين للهجرة اليهودية إلى فلسطين، والتمكين لليهود بها.

المرحلة الثانية: إستقلال إسرائيل

شهدت نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) بداية المرحلة الثانية لتحقيق أهداف إسرائيل، فانتقلت فكرة الوطن القومى إلى دعم مركز اليهود المستمد من قوة عسكرية، بمساعدة الحليفة بريطانيا التى كانت قد شكلت «اللواء اليهودى» الذى حارب لصفها فى إيطاليا، وأصبح هذا «اللواء» نواة جيش إسرائيل المستقبل فى فلسطين، وفى هذه المرحلة التى لم يفت اليهود فيها نقل مركز ثقل «الوكالة اليهودية» إلى نيويورك التى تحولت إليها الدفة، قام اليهود بإتمام تنظيم أنفسهم فى فلسطين، وحسبوا الظروف بدقة، ومنها توصية اللجنة الخاصة التى شكلتها الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، فأعلنوا فى 14 مايو 1948 استقلال إسرائيل، لتتوالى سلسلة الاعترافات بها التى شملت الاتحاد السوفييتى إلى جوار أمريكا والغرب، وبذلك تحقق «برنامج بلتيمور» الذى دعا لاستقلال إسرائيل على كل أرض فلسطين، والذى قدمه بن جوريون عام 1942 ـ إبان الحرب العالمية الثانية- للتنظيم اليهودى الأمريكى الذى تبناه.

وخلال أربعين عامًا، جرت سلسلة المعارك المعروفة بين الدول العربية وإسرائيل المدعومة بالدول الغربية، بينما كان عبد الناصر يعمل على تحرير الدول العربية من الاستعمار الفرنسى والبريطانى. وفى نهاية الخمسينيات انتقل الثقل والمسئولية تمامًا إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى اللذين تقاسما السيطرة على العالم بما فيه الشرق الأوسط.

وأسهمت فى تحقيق هذه المرحلة، حكومة ائتلاف قوية فى إسرائيل فى مقدمتها حزب «الما باى»، بينما كان بن جوريون يعمل على فرض السلام بالحرب، ومعادلة الجندى الإسرائيلى الواحد بأربعين جنديًّا عربيًّا، وتجسيد عقيدة العسكرية الإسرائيلية فى الحرب فى المعركة، وتأكيد «النقاء اليهودى» فى فلسطين للمحافظة على روح العقيدة الصهيونية، والتحالف مع إحدى القوى العالمية العظمى- أو أكثر- لتحطيم أى تجمع عربى، ولضمان التفوق العسكرى الإسرائيلى، وتحييد منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها !

المرحلة الثالثة: بنـاء إسرائيل الكبرى

شهد عام 1990 نهاية «الحرب الباردة»، وخفت أو تراجع صراع القوتين الأعظم على الشرق الأوسط، فشرعت إسرائيل فى تحقيق المرحلة الثالثة بعدما حققته سلفًا، مستغلة انسحاب الاتحاد السوفييتى من العالم الثالث، وانهيار شرق أوروبا، وبدء تفتت الاتحاد السوفييتى، مع استمرار الدعم الأمريكى لإسرائيل، الذى تجلى فى لقاء القمة بواشنطن صيف 1990 الذى أكدت فيه القوتان الأعظم أهدافهما فى الشرق الأوسط فى إطار تعاونهما، حيث أشارت الوثيقة السوفييتية إلى قيام «نظام أمن» فى المنطقة ضمن «النظام العالمى الجديد»، بينما أشارت الوثيقة الأمريكية إلى ضرورة أن ينهج العرب نهجًا مستقبليًّا ومتطورًا !

وربما كانت أزمة حرب الخليج عاملاً عطل - أو أكد - السياسة الدولية الجديدة، عندما صار الغزو العراقى للكويت مبررًا لتدخل عسكرى لتدمير قوة العراق العسكرية والاقتصادية، ثم سارعت حرب الخليج فى ميل التوازن لمصلحة إسرائيل مع تصدع تضامن الدول العربية، وتراجع مصداقية منظمة تحرير فلسطين، وهدوء الانتفاضة.

وبذلك انتقلت إسرائيل إلى التشبث بالوضع الراهن الذى فيه تهيمن على كامل فلسطين، وعلى الجولان، فضلاً عن جنوب لبنان.. فأخذت تسعى لتوفر لنفسها مكانًا وسط الجماعة العربية، لتضمن أمنًا وسوقًا أكثر اتساعًا، وطريقًا أوسع لما تخطط له. بيد أن سعيها تآكلت عناصره على نحو ما أبداه حافظ إسماعيل بمقاله سالف البيان للعالم اليوم فى 22 يناير 1993، وهو جرس إنذار لنتعامل مع هذا الملف بلا تهوين وبلا خوف، وأن نوقن أن التاريخ معنا لأن الحق معنا.