لعل القياس لتوضيح مدى نجاح القمة العربية الأخيرة نهاية مارس 2015، يتلخص حول مقترح مصر عن تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة، للتصدى.. ليس لحالة بعينها- بقدر مواجهتها التحديات والانقسامات التى يتعرض لها النظام العربى، ما يوجب تفعيل اتفاق الدفاع العربى المشترك مطلع خمسينيات القرن الماضى الذى انعدم العمل به، بأقله، خلال العقود الثلاثة الأخيرة.. توالت خلالها كوارث عربية على النحو المشهود ابتداءً من تدخل التحالفات الدولية- غير العربية- بين العراق والكويت أغسطس 1990، بموافقة القمة العربية آنئذ، وليس انتهاء بما يجرى هذه الأيام على يد نفس التحالفات الدولية فى ليبيا وسوريا والعراق واليمن.. ولغيرها على امتداد المشرق العربى ومغربه.. إلى جنوبه، ما استدعى بروز فكرة بناء «القوة المشتركة» من حوالى 40 ألف محترف من دول عربية مختلفة (..) بهدف التصدي- دفاعاً عن النفس- عبر أنساق رئيسية من جزيرة العرب إلى شرق وغرب البحر المتوسط- إلى جنوبى السويس حول باب المندب، ذلك لمواجهة أطماع الجارات غير العربيات.. والآتين إلى المنطقة العربية من وراء البحر.. كذا لمواجهة وكالاتهما المحلية (..)، بسيان.
ومع تسارع الأحداث.. وتشابك جبهات القتال، يصبح اقتصار العمل العسكري/ السياسى على جبهة دون أخرى، مضيعة للوقت واستنزافاً للجهد بلا طائل، أى أن ما يحدث فى اليمن (الحوثي) لا يؤثر فقط على الأوضاع الأمنية للسعودية ودول الخليج فحسب، بل يتوازى معه فى الخطورة ما يجرى فى العراق وسوريا على يد «الدولة الإسلامية- داعش» ومثيلاتها.. وانعكاس ذلك على أمن جوارهما.. سواء فى لبنان أو مصر وليبيا، إلخ، الأمر الذى يحول دون تكامل النجاحات حين ينفذ الخصوم عبر ثغراتها لمنع التقدم فى جبهة ما على حساب الأخريات، وهكذا.. على النحو الفوضوى المشهود حالياً، أى بمعنى آخر.. لا ينبغى للتطورات اليمنية- على أهميتها- أن تطغى على ما عداها من الأزمات العربية الأخرى.
إلى ذلك، ربما يكون من المفترض أن تتوازى الخطوات على صعيد «دبلوماسية الحرب» بين كل من الحالات اليمنية والسورية والعراقية (وتوابعها)، خاصة أن القرار الدولى الأخير رقم 2216 حول اليمن- يؤشر لمرحلة جديدة بعدما أعطى مجلس الأمن تغطية قانونية وسياسية لـ«عاصفة الحزم»، لم يكن ليصدر أممياً حال استخدمت روسيا حق النقض (فيتو)، ما قد يطلق الحوار بين اليمنيين نحو التسوية.. التى ليس من المستبعد تواكبها مع حوار مماثل بين السوريين لتسوية الأزمة السورية، كمخرج دبلوماسى لأزمتين تشابكت فيهما الأبعاد المحلية والعربية والإقليمية والدولية فى آن، ما سوف ينعكس إيجاباً بشكل أو آخر على القتال الدائر فى العراق ضد «داعش»، الأمر الذى قد يشكل بداية لإرساء منظومة إقليمية جديدة، يرتهن استقرارها بتوافق «الترويكا»- مصر والسعودية وسوريا- بديلاً عن مثلث.. إيران- تركيا- إسرائيل، الذى يقود المنطقة العربية نحو التيه، لولا تلك التداعيات الناشئة عن الثورة المصرية، خاصة فيما يتصل ببناء قوة عسكرية مشتركة تتولى حماية مناطق معظمها صحراوية (..) إلى منطقة أعالى نهر النيل إلى ليبيا وشمال سوريا وإلى منطقة الخليج.
لقد أكدت «عاصفة الحزم» حتى الآن- القاعدة القائلة إنه من دون امتلاك وسائل القوة تفتقد السياسة الخارجية العربية فاعليتها وحضورها، وهو ما اتجهت إليه قرارات القمة العربية لتشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة، جارٍ استكمال مقوماتها على قدم وساق (...)، لتحقيق التكافؤ فى ميزان القوى على الأرض، خاصة فى ظل العلاقات الإقليمية بالغة التوتر، وعملاً بالمقولة المثبتة «هات القوة.. وفاوض».