رجائى عطية:
تحدث يومها العلامة الأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان فأبدى أن التراث الفقهى نقل إلينا آراءً تفيد حل هذه التماثيل، وسندها فى عدم التحريم، أن التحريم كان مرتبطًا بعبادة الأصنام، وقد زالت هذه العلّة ومن ثم فلا حرمة، وأضاف أن أقوى ما يستدل به على الإباحة ما أشار إليه بعض الزملاء المتحدثين من أعضاء المجمع من أن التماثيل كانت موجودة بكثرة عندما جاء الإسلام إلى مصر، فلم يأمر عمرو بن العاص بإزالتها أو هدمها، وتحدث فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، فأبدى أننا أمام فريقين، فريق متشدد يفتى بالحرمة، وآخر غير متشدد يقول بالحِل والإباحة، وبينهما رأى يتوسط، وأضاف أنه برغم أن للرأى القائل بالحرمة أنصارًا كثيرين، إلاَّ أن القائلين بالحِل قد التمسوا وجوها من أبرزها الواقع الذى عاشه المسلمون الأوائل. وطفق الإمام الأكبر يتساءل: هل كان المسلمون مقصرين مخالفين عندما عاشوا جنبا إلى جنب مع تمثال أبى الهول وغيره، وهل كان علماء الأزهر عبر تاريخه الممتد و إلى الآن مقصرين فى أمر دينهم حينما تركوا هذه التماثيل ؟! فالعلماء حتى يومنا هذا وقبلهم الرعيل الأول من المسلمين عاشوا مع هذه التماثيل، ولم ينقل عنهم الدعوة إلى كسر تمثال واحد. وانضم الأستاذ الدكتور محمود مهنى، إلى ما أبداه الدكاترة عمارة وزقزوق والنجار، واستشهد بابن تيمية الموصوف بالتشدد فى قوله: مراتب تغيير المنكر أربعة: أن يزول المنكر ويبقى المعروف فالتغيير واجب، أن يقل المنكر وإن لم يزل فالتغيير واجب، أن يتساوى الأمر والنهى فالمسألة خلافية، أن يترتب على تغيير المنكر منكر أشد فالتغيير حرام: ثم روى أن الدكتور يوسف القرضاوى ذهب خصيصاً إلى أفغانستان لينهى أهل طالبان عن هدم تمثال بوذا لما سوف يترتب على إزالته من أضرار، بل وإن الاجتهاد عمل به مبكراً مع وضوح النص، كاجتهاد الفاروق عمر بن الخطاب فى إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم برغم وروده فى الآية 60 من سورة التوبة. وتحدث العلامة الدكتور عبد الرحمن العدوى فانضم إلى القائلين بالإباحة، واستشهد بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وذكر لعب الأطفال التى لا توحى بتاتًا بأى شبهة عبادة أو إشراك.
وانتهى المجمع بتلك الجلسة، إلى أنه يرى أن تحريم صناعة التماثيل إنما كان لقرب العهد بعبادتها، أما إذا كان الغرض من صناعة التماثيل الوارد ذكرها فى السؤال ( الآتى من السنغال )، هو تنشيط السياحة وإظهار حضارة فى تاريخ الأمم، ولم يكن هناك قصد للتعبد بها أو التعظيم لها، فقد انتفت العلّة التى من أجلها كان الخطر مشروعا، ومن هنا يرى المجمع أنه لا بأس بها لقوله صلي الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
أردت بهذه الإطالة، أن أبين أن للاجتهاد فى الدين علماءه، وأن الإفتاء له مقاييسه وضوابطه وعلله وأحكامه، وأنه ليس بمستطاع كل مسلم أن يحسن ذلك طالما لا علم لديه ولا يمتلك أدوات البحث واستنباط الأحكام. ثم ليرى القراء أن العلماء لم يستخدموا اجتهاداتهم لإيقاف عجلة الحياة، أو التشدد لمجرد التشدد، أو المسارعة للإباحة لمجرد التخفف، وإنما هم يبحثون وينقبون ويعملون الفكر، ليقدموا عصارة هذا الاجتهاد لخدمة الإسلام الذى أراده الله تعالى دنيًا للحياة والأحياء.
وإذ عدنا لما يمكن أن تفرزه الإبداعات البشرية، لوجدنا حالات عديدة من الإبداعات، منها ما ذكره فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق على وأسلفت موجزه، ومنها حالات أخرى لا يخطئ الباحث أنها إبداعات جمالية فنية صرف، لا شبهة فيها، ولا صلة لها من قريب أو بعيد بالشرك أو التعبد بها وإنما هى نتاج قرائح وملكات أودعها الله سبحانه وتعالى فى خلقه يستخدمها كل منهم فيما هو ميسر له، وأظهر الأمثلة على ذلك استخدامات الكلمة، فهى فى استخداماتها السلبية كانت لغة الكفار والمشركين والطغاة والمفسدين، ولكنها هى هى لغة القرآن المجيد، والكتب السماوية، وأحاديث المصطفى صلي الله عليه وسلم والرسل والأنبياء، وأداة الشعراء والأدباء، وبها كانت صياغة الأعمال المجيدة التى لا تزال مددًا للبشرية إلى آخر الزمان.
(يتبع)
تحدث يومها العلامة الأستاذ الدكتور محمد رأفت عثمان فأبدى أن التراث الفقهى نقل إلينا آراءً تفيد حل هذه التماثيل، وسندها فى عدم التحريم، أن التحريم كان مرتبطًا بعبادة الأصنام، وقد زالت هذه العلّة ومن ثم فلا حرمة، وأضاف أن أقوى ما يستدل به على الإباحة ما أشار إليه بعض الزملاء المتحدثين من أعضاء المجمع من أن التماثيل كانت موجودة بكثرة عندما جاء الإسلام إلى مصر، فلم يأمر عمرو بن العاص بإزالتها أو هدمها، وتحدث فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، فأبدى أننا أمام فريقين، فريق متشدد يفتى بالحرمة، وآخر غير متشدد يقول بالحِل والإباحة، وبينهما رأى يتوسط، وأضاف أنه برغم أن للرأى القائل بالحرمة أنصارًا كثيرين، إلاَّ أن القائلين بالحِل قد التمسوا وجوها من أبرزها الواقع الذى عاشه المسلمون الأوائل. وطفق الإمام الأكبر يتساءل: هل كان المسلمون مقصرين مخالفين عندما عاشوا جنبا إلى جنب مع تمثال أبى الهول وغيره، وهل كان علماء الأزهر عبر تاريخه الممتد و إلى الآن مقصرين فى أمر دينهم حينما تركوا هذه التماثيل ؟! فالعلماء حتى يومنا هذا وقبلهم الرعيل الأول من المسلمين عاشوا مع هذه التماثيل، ولم ينقل عنهم الدعوة إلى كسر تمثال واحد. وانضم الأستاذ الدكتور محمود مهنى، إلى ما أبداه الدكاترة عمارة وزقزوق والنجار، واستشهد بابن تيمية الموصوف بالتشدد فى قوله: مراتب تغيير المنكر أربعة: أن يزول المنكر ويبقى المعروف فالتغيير واجب، أن يقل المنكر وإن لم يزل فالتغيير واجب، أن يتساوى الأمر والنهى فالمسألة خلافية، أن يترتب على تغيير المنكر منكر أشد فالتغيير حرام: ثم روى أن الدكتور يوسف القرضاوى ذهب خصيصاً إلى أفغانستان لينهى أهل طالبان عن هدم تمثال بوذا لما سوف يترتب على إزالته من أضرار، بل وإن الاجتهاد عمل به مبكراً مع وضوح النص، كاجتهاد الفاروق عمر بن الخطاب فى إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم برغم وروده فى الآية 60 من سورة التوبة. وتحدث العلامة الدكتور عبد الرحمن العدوى فانضم إلى القائلين بالإباحة، واستشهد بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وذكر لعب الأطفال التى لا توحى بتاتًا بأى شبهة عبادة أو إشراك.
وانتهى المجمع بتلك الجلسة، إلى أنه يرى أن تحريم صناعة التماثيل إنما كان لقرب العهد بعبادتها، أما إذا كان الغرض من صناعة التماثيل الوارد ذكرها فى السؤال ( الآتى من السنغال )، هو تنشيط السياحة وإظهار حضارة فى تاريخ الأمم، ولم يكن هناك قصد للتعبد بها أو التعظيم لها، فقد انتفت العلّة التى من أجلها كان الخطر مشروعا، ومن هنا يرى المجمع أنه لا بأس بها لقوله صلي الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
أردت بهذه الإطالة، أن أبين أن للاجتهاد فى الدين علماءه، وأن الإفتاء له مقاييسه وضوابطه وعلله وأحكامه، وأنه ليس بمستطاع كل مسلم أن يحسن ذلك طالما لا علم لديه ولا يمتلك أدوات البحث واستنباط الأحكام. ثم ليرى القراء أن العلماء لم يستخدموا اجتهاداتهم لإيقاف عجلة الحياة، أو التشدد لمجرد التشدد، أو المسارعة للإباحة لمجرد التخفف، وإنما هم يبحثون وينقبون ويعملون الفكر، ليقدموا عصارة هذا الاجتهاد لخدمة الإسلام الذى أراده الله تعالى دنيًا للحياة والأحياء.
وإذ عدنا لما يمكن أن تفرزه الإبداعات البشرية، لوجدنا حالات عديدة من الإبداعات، منها ما ذكره فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق على وأسلفت موجزه، ومنها حالات أخرى لا يخطئ الباحث أنها إبداعات جمالية فنية صرف، لا شبهة فيها، ولا صلة لها من قريب أو بعيد بالشرك أو التعبد بها وإنما هى نتاج قرائح وملكات أودعها الله سبحانه وتعالى فى خلقه يستخدمها كل منهم فيما هو ميسر له، وأظهر الأمثلة على ذلك استخدامات الكلمة، فهى فى استخداماتها السلبية كانت لغة الكفار والمشركين والطغاة والمفسدين، ولكنها هى هى لغة القرآن المجيد، والكتب السماوية، وأحاديث المصطفى صلي الله عليه وسلم والرسل والأنبياء، وأداة الشعراء والأدباء، وبها كانت صياغة الأعمال المجيدة التى لا تزال مددًا للبشرية إلى آخر الزمان.
(يتبع)