رهانات «بالوكالة» على الشرق الأوسط

رهانات «بالوكالة» على الشرق الأوسط



تجاوزت طموحات مصر منذ مطلع النصف الثانى من القرن العشرين.. ما عجزت ذراعها عن بلوغها، ذلك قبل أن تنتكس إلى داخلها لنحو نصف قرن تالٍ، ربما لتسترشد اليوم كلًا من إيجابيات وسلبيات تجربة «يوليو».. لأجل استعادة مكانتها اللائقة بين الأمم، كما تباهت إسرائيل- فى نفس الحقبة- بذراعها الطويلة.. قبل أن تنحصر داخل «جيتو» وراء الجدران الفاصلة، فيما تتطلع تركيا منذ مطلع القرن الحالى لإحياء حلم الخلافة «العثمانية الجديدة».. قبل أن تجبرها تحديات داخلية وإخفاقات «الإسلام السياسى» لئلا يمتد بصرها لأبعد من أنفها عند الثقب الأسود شمال شرق البحر المتوسط، وعلى نفس الغرار.. يستقطب طيش الهوى مسئولين إيرانيين للمباهاة بنفوذها فى عواصم عربية.. على طريق «الامبراطورية الفارسية.. عاصمتها بغداد».. إذ تدفعها نجاحاتها المؤقتة عبر وكالاتها المحلية إلى ذات الرهان الإمبريالى بـ«الوكالة» لجاراتها الإقليميات- من قبل- فى الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.. التى لا يراهن عليها- تاريخياً- غير أحمق.
إلى ذلك، تعتبر طموحات إيران أو «فارس الإسلامية»، كما يطيب للبعض تسميتها، استثناء، إذ لا تزال قضيتها مفتوحة لم تصل بعد كجاراتها الإقليميات.. إلى ذات الطريق المسدود، إذ رغم وقوعها تحت حصار العقوبات الدولية.. فإن ذراعها لا تزال مشتبكة- بشكل أو آخر- فى صدامات سياسية وعسكرية من شرقى وجنوب السويس إلى شرق البحر المتوسط، فيما هى تحاول من جانب آخر استمالة الولايات المتحدة لكى تصبح - كالسابق- شرطيها المفضل للحفاظ على المصالح الأميركية فى المنطقة، خاصة بعد إخفاقات نظيراتها الإقليميات فى ذلك لسبب أو لآخر، ما قد يؤهلها للسعى وراء اضطلاعها بدور إقليمى متميز، الأمر الذى تحول دونه.. اعتراضات قوى إقليمية حليفة لواشنطن.. تحذر من انعكاسات ملفها النووى على الأمن والسلم الإقليمى من ناحية.. إلى معوقات تضعها، لأسبابها، الأجنحة المتشددة على الجانبين الأميركى والإيرانى من ناحية أخرى، وحيث تتأثر المفاوضات النووية بين المجموعة الدولية 1+5 وبين إيران.. بالتعقيدات الجارية فى أكثر من أزمة جيوسياسية (..) فى المنطقة.
على صعيد موازٍ، تتصاعد الأحلام التاريخية الإيرانية.. فى السعى لموطئ قدم فى باب المندب.. بعد أن أصبحت تتمتع بذلك فى الشمال، العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، سواء بتوظيفها لاعتبارات محلية تتسلل من خلالها لتحقيق طموحاتها.. أو باستخدام البعد المذهبى فى أحيان أخرى، ما دفع النظام العربى فى قمته الأخيرة إلى شكل من أشكال التضامن.. يصل إلى حد دق طبول الحرب لأول مرة عبر مواجهات مفتوحة غير مسبوقة مع إيران ووكلائها الإقليميين، مرشحة للتطور، إما إلى تصعيد السجالات الخشنة أو البحث عن تسويات متبادلة تحفظ للأطراف المعنية مصالحها الحيوية المشروعة.
إلى ذلك، على إيران من خلال قراءة متأنية لتطور الأحداث التاريخية فى المنطقة لما يزيد على ستة عقود، أن ترعوى بأنها لن تحصل من العالم العربى- رغم ضعف مركزه وسط الدائرة الإقليمية- على ما لم يتحصل عليه كل المراهنين السابقين.. سواء من هم على أطراف المنطقة أو الآتين إليها من وراء البحر، وبأن هذه الصراعات الجارية الآن حول المصالح والنفوذ.. هى من سمات المراحل الانتقالية التى تفشل فيها- بضرورات الثوابت التاريخية والجغرافية- كل الرهانات «بالوكالة» على الشرق الأوسط.