تواجه شركة ميتا بلاتفورمز، المالكة لمنصتي فيسبوك وإنستجرام، واحدة من أبرز المعارك القضائية في تاريخها، مع بدء محاكمة في ولاية تينيسي الأمريكية بشأن اتهامات بأن تصميم تطبيق إنستجرام يعتمد على خصائص تشجع الاستخدام القهري للمراهقين وتسهم في تفاقم أزمة الصحة النفسية بينهم، في قضية قد تؤدي إلى تغييرات تنظيمية واسعة تطال صناعة التواصل الاجتماعي بأكملها.
وبحسب وكالة "رويترز"، تبدأ إجراءات اختيار هيئة المحلفين، الإثنين، في مدينة ناشفيل، على أن تستمر المحاكمة نحو سبعة أسابيع، وتسعى ولاية تينيسي إلى إثبات أن ميتا انتهكت قانون حماية المستهلك من خلال تطوير منصة تدفع المراهقين إلى الاستخدام المفرط، مع تضليل المستخدمين بشأن مستوى الأمان والمخاطر المرتبطة بها، مطالبة بفرض غرامات مالية وإصدار أوامر قضائية تلزم الشركة بإجراء تعديلات جوهرية على تصميم إنستجرام.
اتهامات بإخفاء أبحاث داخلية
تستند الدعوى إلى مزاعم بأن ميتا أخفت نتائج أبحاث داخلية أظهرت أن استخدام إنستجرام قد يسبب آثارًا سلبية على الصحة النفسية للمراهقين، لكنها واصلت تشغيل خصائص تعلم أنها تزيد من ارتباط المستخدمين بالتطبيق دون تقديم تحذيرات كافية.
كما تتهم الولاية الرئيس التنفيذي للشركة، مارك زوكربيرج، بتجاهل تحذيرات متكررة من موظفين وباحثين داخل الشركة بشأن التأثيرات النفسية للمنصة على المراهقين، وعدم تخصيص الموارد اللازمة للحد من تلك المخاطر، إلى جانب الإدلاء بتصريحات وصفتها الدعوى بأنها مضللة حول مستوى أمان المنصة.
خصائص إنستجرام في قلب القضية
تركز الدعوى على مجموعة من الخصائص التي تعتبرها الولاية مسؤولة عن تعزيز الاستخدام القهري، من بينها التشغيل التلقائي للمحتوى، ومقاطع "ريلز"، والإشعارات المتكررة، إضافة إلى التصميمات التي تجعل بعض المحتوى يختفي بعد فترة زمنية، وهو ما يدفع المستخدمين، خصوصًا المراهقين، إلى العودة المستمرة للتطبيق وزيادة مدة استخدامه.
وترى سلطات تينيسي أن هذه الأدوات لم تُصمم فقط لتحسين تجربة المستخدم، وإنما لزيادة معدلات التفاعل وإطالة زمن البقاء داخل المنصة، بما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية للفئات العمرية الصغيرة.
دفاع ميتا
في المقابل، تنفي ميتا جميع الاتهامات، مؤكدة أنها استثمرت على مدار أكثر من عشر سنوات في تطوير أدوات لحماية المراهقين، تشمل إعدادات افتراضية مناسبة للأعمار الصغيرة ووسائل رقابة أبوية تساعد الأسر على متابعة استخدام أبنائهم للتطبيق.
كما تتمسك الشركة بأن المحتوى الذي يظهر على إنستجرام ينشئه المستخدمون أنفسهم، وأن المادة 230 من قانون آداب الاتصالات الأمريكي تمنحها حصانة قانونية من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره أطراف آخرون.
عقوبات محتملة وتغييرات إجبارية
ستُحسم المرحلة الأولى من المحاكمة عبر هيئة المحلفين التي ستقرر ما إذا كانت ميتا انتهكت قانون حماية المستهلك في ولاية تينيسي. وفي حال صدور حكم بالإدانة، ستنتقل القضية إلى مرحلة ثانية ينظر خلالها القاضي حجم الغرامات والإجراءات الإصلاحية التي قد تُفرض على الشركة.
وتطالب الولاية بإلزام ميتا بإجراء تعديلات على تصميم إنستجرام وآليات عمله، إلى جانب فرض غرامات قد تصل إلى ألف دولار عن كل مخالفة يتم إثباتها، وهو ما قد يرفع إجمالي العقوبات إلى مستويات كبيرة بالنظر إلى عدد المستخدمين المتأثرين.
تأتي محاكمة تينيسي ضمن سلسلة من الدعاوى القضائية التي تواجهها ميتا في الولايات المتحدة، إذ تستعد الشركة أيضًا لمحاكمات أخرى في كاليفورنيا تتعلق باتهامات بانتهاك قوانين حماية بيانات الأطفال، فضلًا عن آلاف القضايا المرفوعة من ولايات وأفراد ومؤسسات تعليمية تتهم الشركة بالإسهام في الإضرار بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
وكانت ولاية نيو مكسيكو قد حققت انتصارًا قانونيًا على ميتا في وقت سابق من العام الجاري، بعدما قضت هيئة محلفين بأن الشركة ضللت المستهلكين بشأن سلامة منصات فيسبوك وإنستجرام وواتساب، وألزمتها بدفع تعويضات بلغت 375 مليون دولار، بينما لا تزال المحكمة تنظر في فرض إجراءات إضافية قد تُلزم الشركة بإجراء تغييرات على منصاتها.
صناعة التكنولوجيا
ينظر خبراء إلى القضية باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي تواجه قطاع التكنولوجيا في السنوات الأخيرة، إذ قد تؤسس لأحكام قضائية وتشريعات جديدة تُلزم شركات التواصل الاجتماعي بإعادة تصميم منصاتها بما يقلل من الخصائص التي تشجع الاستخدام المفرط، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
وفي حال صدور حكم ضد ميتا، فقد تمتد تداعياته إلى بقية شركات التكنولوجيا الكبرى، لتصبح محاكمة تينيسي نقطة تحول في كيفية تصميم وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، بما يوازن بين تحقيق النمو التجاري وحماية الصحة النفسية للمستخدمين.