تشهد أوروبا الغربية تصاعدًا في تداعيات موجات الحر الشديدة، بعدما اندلع حريق واسع في غابة تاريخية بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس، في وقت ارتفعت فيه حصيلة ضحايا حرائق إسبانيا إلى 13 قتيلًا، وسط تحذيرات علمية من أن تغير المناخ يزيد من وتيرة وشدة حرائق الغابات ويضاعف خسائرها البشرية والاقتصادية.
وذكرت وكالة رويترز أن السلطات الفرنسية دفعت بمئات من رجال الإطفاء والطائرات المتخصصة لإخماد الحريق الذي اندلع في غابة فونتينبلو التاريخية، بينما تواصل دول أوروبا مواجهة ثالث موجة حر هذا الصيف، وسط مخاوف من استمرار الظروف المناخية القاسية خلال الأيام المقبلة.
إجلاء مئات السكان
أجبر الحريق السلطات الفرنسية على إغلاق الطريق السريع A6 الذي يربط باريس بمدينة ليون وجنوب فرنسا، كما تم تعليق بعض خدمات القطارات فائقة السرعة، مع إجلاء نحو 800 شخص من المناطق القريبة حفاظًا على سلامتهم.
وللمرة الأولى في منطقة باريس الكبرى، شاركت طائرات Canadair لإخماد الحرائق، حيث سحبت المياه من نهر السين مباشرة لدعم عمليات الإطفاء، قبل أن تعلن السلطات لاحقًا السيطرة إلى حد كبير على الحريق رغم استمرار الرياح القوية التي صعّبت جهود الاحتواء.
أسباب الحريق
أثار وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز احتمالات أن يكون الحريق متعمدًا، موضحًا أن فرق التحقيق رصدت نحو عشرة مواقع مختلفة لاندلاع النيران داخل نطاق لا يتجاوز كيلومترًا واحدًا، وهو ما يعزز فرضية الاشتعال المتعمد.
وتشير البيانات الرسمية إلى احتراق نحو 32 ألف هكتار من الأراضي في فرنسا منذ بداية العام، وهو رقم يتجاوز إجمالي المساحات التي احترقت خلال عام 2025 بالكامل.
في المقابل، ارتفعت حصيلة ضحايا حرائق الغابات التي اجتاحت إقليم ألميريا الإسباني إلى 13 وفاة بعد وفاة سيدة بريطانية تبلغ من العمر 93 عامًا متأثرة بحروقها، فيما لا يزال 10 أشخاص في عداد المفقودين.
ودعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى تعزيز إجراءات الوقاية من الحرائق، مؤكدًا ضرورة الاستثمار بشكل أكبر في أنظمة الإنذار المبكر وإدارة الغابات للحد من الكوارث المتكررة.
يرى علماء المناخ أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المستمر يجعلان حرائق الغابات أكثر تكرارًا وصعوبة في السيطرة عليها، بينما بدأت التأثيرات الاقتصادية تمتد إلى قطاعات الزراعة والطاقة والنقل.
وأدت موجات الحر الأخيرة إلى تراجع إنتاج بعض المحاصيل الزراعية، وخفض إنتاج الكهرباء من بعض المحطات النووية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن النهري في ألمانيا بسبب انخفاض منسوب مياه نهر الراين، كما اضطر مزارعو شمال إيطاليا إلى زيادة الإنفاق للحفاظ على إنتاج الألبان، وعلى رأسها جبن البارميزان.
أظهرت بيانات أوروبية تسجيل نحو 10,650 حالة وفاة إضافية خلال موجة الحر القياسية التي ضربت غرب أوروبا في نهاية يونيو الماضي.
كما خلصت دراسة علمية حديثة إلى وفاة نحو 2,700 شخص في إنجلترا وويلز نتيجة الحرارة خلال موجتي مايو ويونيو، مع تقدير الباحثين أن 42% من هذه الوفيات ارتبطت مباشرة بارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ.
وفي السياق نفسه، حذرت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي من احتمال تعرض أوروبا لـ"أسابيع أكثر فتكًا" مع تشكل موجات حر جديدة فوق المحيط الأطلسي، في حين أظهرت بيانات نظام EuroMOMO الأوروبي أن أكثر من 9 آلاف من الوفيات الإضافية سُجلت بين الأشخاص الذين تجاوزت أعمارهم 65 عامًا، ما يعكس التأثير المتزايد للتغيرات المناخية على الصحة العامة والاقتصاد الأوروبي.