خواطر مواطن مهموم 441.. حول المشهد الإقليمي الحالي

إيران هُزمت هزيمة ساحقة فاقتصادها وبنيتها الأساسية وقواتها المسلح

توفيق اكليمندوس

أنوه أولًا إنني لا أحب الإدارة الجمهورية الحالية وتوجهاتها ورئيسها، ولا أحب النظام الإيراني ولا آيديولوجيته ولا ما فعله بالإقليم. لا يعني هذا أنني محايد... أنا مُنحاز للدول العربية وشعوبها، وشأني شأن أغلب المصريين فيما أظن، أرى أن منطق الدولة بصفة عامة، والدولة المركزية بصفة خاصة، يتعارض تمامًا ومنطق الميليشيات.

لكل قاعدة استثناءات؛ أهمها في رأيي وجود احتلال عسكري تجب مقاومته. المقاومة لا تقتصر على اللجوء إلى الخيار العسكري، ولكنها لا تستبعده، لكن المفروض أن الذي يلجأ إلى الحل العسكري يفكر بمنطق عسكري وإستراتيجي؛ أيْ عليه أن يفكر بجدية في سيناريوهات التصعيد وقدرته على ضبطها؛ أيْ في خيارات العدو وقدراته هو، وأفهم أن الرغبة في تحويل الرفض - رفض الاحتلال والظلم... إلخ - إلى عمل وفعل ملموسين يجسدان قوة الإرادة رغبة مشروعة، ولكن التفكير في خسائر المدنيين أصحاب القضية التي تدافع الميليشيات عنها أمر واجب.

نصل إلى المشهد الحالي، هناك من يرى أن إيران هُزمت هزيمة ساحقة فاقتصادها وبنيتها الأساسية وقواتها المسلحة نالوا ضربات ستحتاج إزالة آثارها إلى عقود، ومن يرى أن الولايات المتحدة هي التي هُزمت، فهي لم تحقق أي هدف من أهدافها، لا النظام سقط لا قبل التخلي عن برنامجه النووي وصواريخه وأعوانه الإقليميين، بل منحت المواجهة الحالية ورقة إضافية لنظام طهران... التحكم الفعلي في مضيق هرمز والقدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي. وإضافة إلى هذا استهلكت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مخزونها من الذخائر، وسيستغرق تعويض هذا سنوات.

في تقييم مسار أي حرب، هناك كمٌّ هائل من العوامل والأبعاد والمتغيرات، ومُضِيّ طرف في “مسار” يؤدي إلى النصر لا يعني بالضرورة أنه سينتصر في النهاية، قد يخطئ خطأ يلغي كل مكاسبه، قد تُدمر عاصفة بنيته التحتية وأدواته، قد تضعف عزيمته فجأة رغم اقتراب النصر، قد يكتشف طرف ثالث حسبه الجميع من المحايدين أن لديه مصلحة مؤكدة في حرمان الطرف الأقوى من النصر فيقوم بالتدخل... إلخ.

إضافة إلى ذلك، لا أعلم أي شيء عن الجبهة الداخلية الإيرانية، ولا عن حجم خسائر إيران، وقد يعود هذا إلى تقصير مني، وقد تكون عدم المعرفة ظاهرة عامة.

ما يبدو لي واضحًا مؤكدًا هو أن الرئيس الأمريكي قرر شن الحرب بناءً على حسابات خاطئة وأوهام، وأنه لم يهتم بتحذيرات أهل الخبرة، وأن الرياح أتت بما لا تشتهيه سُفنه، وأن الإكثار اليومي من التصريحات المتناقضة والعجيبة قلل قيمة كلامه، وأعطى انطباعًا قويًّا دعّمته مفردات خطابه بأنه متخبط وفي مأزق إستراتيجي. وما يعمّق هذا المأزق غياب الثقة فيه، هناك قناعة في أغلب العواصم التي تربطها بواشنطن علاقات ومصالح بأن هذا الرئيس لا عهد له وقد يبيع أي حليف في أي صفقة في أي وقت. قد يكون هذا الانطباع ظالمًا ولكنه موجود، ويتحمل الرئيس مسؤولية كبيرة في أزمة الثقة هذه. ويعني غياب الثقة تردد الكل في تقديم العون.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه سيخسر هذه المواجهة، يبدو لي وقد أكون مخطئًا أن النظام الإيراني يرى أن الوقت يلعب لصالح طهران، ولست متأكدًا من صواب هذه الرؤية. الإعلام العالمي يقول إن الرئيس الأمريكي على عجلة من أمره لأسباب داخلية، وهذا قطعًا حقيقي، لكنني لا أتصور أن الرئيس يقبل هزيمة نكراء، سواء لأسباب تتعلق بكبريائه أم لاعتبارات انتخابية داخلية. ومِن ناحيتها، إيران تحتاج إلى ما يتيح لها إعادة البناء ومعالجة علل اقتصادها، وقد لا تكون مستعجلة لكن الصبر والانتظار وإطالة الصراع تُعمق مشاكلها.

ملاحظة أخيرة حول الأمثلة التاريخية، اقتصاد بريطانيا دُمر تدميرًا في الحرب العالمية الثانية، هذا لا يعني أن بريطانيا لم تحقق نصرًا مبينًا، لكن النصر كان مبينًا لأن النظام النازي سقط وتم احتلال ألمانيا.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية