في تطور يعكس أحد أبرز التداعيات الاقتصادية لطفرة الذكاء الاصطناعي، تواجه المصانع الأمريكية، خصوصًا في ولايات "حزام الصدأ" الصناعي، ارتفاعات حادة في فواتير الكهرباء نتيجة التوسع السريع في مراكز البيانات الضخمة التي تشغلها شركات التكنولوجيا الكبرى لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وفقًا لما أظهره تقرير أعدته وكالة رويترز استنادًا إلى مراجعة لبيانات الطاقة الأمريكية ومقابلات مع مسؤولين تنفيذيين وخبراء في القطاع.
وتسلط التطورات الضوء على تحدٍ جديد يواجه القطاع الصناعي الأمريكي، يتمثل في المنافسة المتزايدة بين المصانع التقليدية ومراكز البيانات العملاقة على إمدادات الكهرباء، في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة إحياء التصنيع المحلي وزيادة الاستثمارات الصناعية داخل الولايات المتحدة.
قفزة 90% في فواتير الكهرباء
من بين الشركات التي تعكس حجم الأزمة، شركة بيلدن بريك لصناعة الطوب في ولاية أوهايو، التي تأسست قبل 141 عامًا، والتي شهدت ارتفاع فاتورة الكهرباء لديها بنحو 90% خلال العام الماضي.
وأوضح رئيس الشركة، براد بيلدن، أن الزيادة جاءت بصورة أساسية من رسوم القدرة الكهربائية (Capacity Charges)، وهي الرسوم التي تفرض لضمان توافر إمدادات كافية من الكهرباء خلال أوقات الذروة.
وقفزت هذه الرسوم بالنسبة للشركة من نحو 1,600 دولار شهريًا إلى ما يقرب من 12 ألف دولار شهريًا، وهو ما شكل ضغطًا مباشرًا على هوامش الربحية.
وتنتج الشركة طوبًا يستخدم في عدد من المباني التاريخية والرمزية داخل الولايات المتحدة، من بينها مبنى "ألامو" التاريخي في ولاية تكساس وجامعة نوتردام.
يرجع السبب الرئيسي لهذه الزيادة إلى النمو المتسارع لمراكز البيانات التي تعتمد عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
فمع توسع شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون وميتا وغيرها في بناء مراكز بيانات جديدة، ارتفع الطلب على الكهرباء بصورة غير مسبوقة، ما أدى إلى زيادة تكاليف تشغيل الشبكات الكهربائية وأسعار القدرة الإنتاجية.
ويشير التقرير إلى أن مستودعًا واحدًا لخوادم الذكاء الاصطناعي قد يستهلك كمية كهرباء تعادل استهلاك مدينة أمريكية متوسطة الحجم.
ارتفاع أسرع من المنازل والشركات
وأظهرت مراجعة بيانات وزارة الطاقة الأمريكية أن أسعار الكهرباء للمصانع ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار الكهرباء للمنازل أو الشركات التجارية.
ففي ولاية بنسلفانيا ارتفعت أسعار الكهرباء الصناعية بنحو 31% حتى ديسمبر 2025 مقارنة بالعام السابق.أما في ولاية أوهايو، فقد بلغت الزيادة 26%.وفي المقابل، سجلت أسعار الكهرباء للمنازل ارتفاعًا بلغ 14% في بنسلفانيا و9% في أوهايو فقط.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المصانع تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف الطلب المتزايد على الطاقة.
يرتبط الجزء الأكبر من الأزمة بسوق الكهرباء الذي تديره شركة PJM Interconnection، أكبر مشغل لشبكات الكهرباء في الولايات المتحدة.
وتغطي الشبكة 13 ولاية تمتد من نيوجيرسي حتى إلينوي وشمال تينيسي، وهي المنطقة نفسها التي تستقطب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات.
وخلال العامين الماضيين، قفزت أسعار القدرة الكهربائية داخل هذه الشبكة من 28.92 دولارًا لكل ميجاواط يوميًا إلى 329.17 دولارًا، أي بزيادة بلغت 1,038%.
ويعزو مسؤولو الشبكة هذه القفزة إلى النمو السريع في الطلب الناتج عن مراكز البيانات، مقابل بطء دخول محطات توليد جديدة إلى الخدمة.
وقال المتحدث باسم الشركة جيف شيلدز إن مراكز البيانات "يمكن بناؤها بوتيرة أسرع بكثير من إنشاء محطات التوليد اللازمة لخدمتها، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب بصورة تفوق نمو المعروض".
لا تقتصر الأزمة على شركة واحدة.فشركة بلاسكولايت المصنعة للمنتجات البلاستيكية ارتفعت رسوم القدرة الكهربائية لديها من 200 ألف دولار سنويًا إلى 1.2 مليون دولار في مصانعها بولايتي أوهايو وبنسلفانيا.
ودفع ذلك الشركة إلى دراسة تشغيل بعض منشآتها باستخدام الغاز الطبيعي مباشرة بدلًا من الاعتماد الكامل على شبكة الكهرباء.
أما شركة توسوه إس إم دي، المنتجة لمواد تستخدم في الصناعات الإلكترونية، فتدرس نقل جزء من عملياتها إلى ساعات الليل المتأخرة عندما تكون أسعار الكهرباء أقل.
وقال جون هولمان، مدير المرافق بالشركة، إن الإدارة تحاول إيجاد حلول مبتكرة للحفاظ على قدرتها التنافسية.
أمام هذه الضغوط، اضطرت بعض الشركات إلى رفع أسعار منتجاتها.فشركة بيلدن بريك رفعت أسعار الطوب بنحو 4%، إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل، ما أدى إلى تراجع الأرباح.
ويحذر مسؤولو الصناعة من أن استمرار ارتفاع تكاليف الكهرباء قد يدفع بعض المصانع إلى تقليص الإنتاج أو إبطاء خطط التوسع أو حتى نقل أنشطتها إلى مناطق أقل تكلفة.
وقال براد بيلدن إن بعض الشركات أصبحت "على حافة الخطر"، مشيرًا إلى أن هامش المناورة بات محدودًا للغاية.
شهدت شبكة PJM خلال الأسبوع الماضي اختبارًا صعبًا عندما اضطرت إلى اتخاذ إجراءات طارئة لتجنب انقطاعات واسعة للكهرباء بعد أن سجل الطلب مستويات قياسية نتيجة موجة حر شديدة.
وشملت الإجراءات مطالبة بعض المستخدمين الكبار بخفض استهلاك الكهرباء للحفاظ على استقرار الشبكة.
وتؤكد هذه التطورات أن الضغوط الناتجة عن مراكز البيانات لم تعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبحت أيضًا قضية تتعلق بأمن الطاقة واستقرار شبكات الكهرباء.
في المقابل، أكدت الإدارة الأمريكية أنها اتخذت خطوات لتخفيف الضغوط على القطاع الصناعي.
وقال البيت الأبيض إن الرئيس دونالد ترامب رعى خلال العام الجاري توقيع شركات التكنولوجيا على تعهد لحماية دافعي فواتير الكهرباء، كما أصدر توجيهات بتسريع إنشاء محطات توليد كهرباء جديدة داخل مناطق شبكة PJM، على أن تتحمل شركات التكنولوجيا جزءًا من تكلفة هذه المشروعات.
من جانبها، ترى شركات مراكز البيانات أن توسعها يدفع نحو تحديث شبكة الكهرباء الأمريكية التي عانت لسنوات من نقص الاستثمارات.
وقال آرون تينجوم، نائب رئيس شؤون الطاقة في تحالف مراكز البيانات، إن النمو السريع لهذا القطاع "يجبر الولايات المتحدة أخيرًا على مواجهة القرارات الصعبة التي كان لا بد من اتخاذها لتطوير البنية التحتية الكهربائية".
وأضاف أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بمراكز البيانات، بل أيضًا بإغلاق محطات توليد قديمة، وتأخر تنفيذ خطوط نقل الكهرباء الجديدة.
وفي ظل تصاعد الضغوط، تدرس السلطات الأمريكية مجموعة من القواعد الجديدة لإدارة الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات.
وتقترح اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة فرض رسوم إضافية على بعض المنشآت الصناعية الكبرى التي تمتلك مولدات كهرباء خاصة، لضمان مساهمتها في تمويل استقرار الشبكة إذا اضطرت إلى الاعتماد عليها خلال حالات الطوارئ.
غير أن ممثلي القطاع الصناعي يعارضون هذه المقترحات، معتبرين أنها تضع المصانع التقليدية في الفئة نفسها مع مراكز البيانات العملاقة، رغم اختلاف طبيعة استهلاك الكهرباء بين الطرفين.
وقال بول سيسيو، رئيس رابطة مستهلكي الطاقة الصناعيين في أمريكا: “المصانع ليست مراكز بيانات، ولا ينبغي أن تتحمل تكلفة السياسات المخصصة لتنظيم هذا القطاع.”
تعكس الأزمة الحالية جانبًا جديدًا من التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد تأثيره يقتصر على أسواق التكنولوجيا أو الاستثمار، بل امتد إلى القطاعات الصناعية التقليدية من خلال الضغط على البنية التحتية للطاقة.
ومع استمرار شركات التكنولوجيا في بناء مراكز بيانات أكبر وأكثر استهلاكًا للكهرباء، يتوقع خبراء الطاقة أن تستمر الضغوط على أسعار الكهرباء خلال السنوات المقبلة، ما يفرض تحديات إضافية أمام المصنعين الأمريكيين، ويجعل تطوير شبكات الكهرباء وزيادة قدرات التوليد أحد أهم الملفات الاقتصادية والاستراتيجية في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.