توقع بنك ستاندرد تشارترد أن يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال العام الجاري، رغم اللهجة المتشددة التي تبناها رئيسه الجديد كيفن وورش، معتبرًا أن تصريحاته تستهدف تشديد الأوضاع المالية مؤقتًا للحد من التضخم، وليس التمهيد لرفع جديد للفائدة.
وفي تقرير حديث حصلت «المال» على نسخة منه، قال البنك إن أول مؤتمر صحفي لوورش عقب اجتماع السياسة النقدية أدى إلى تشديد الأوضاع المالية، بعدما عزز توقعات الأسواق برفع أسعار الفائدة، وهو ما دعم الدولار الأمريكي ودفع الذهب والأسهم إلى التراجع، إلا أن البنك يرى أن هذه الرسائل كانت جزءًا من إستراتيجية محسوبة تهدف إلى تشديد الظروف المالية في الأجل القصير، بما قد يجنب الاحتياطي الفيدرالي الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة لاحقًا.
تشدد محسوب وليس تمهيدًا لرفع الفائدة
وأوضح التقرير أن “وورش” ركز خلال ظهوره الأول بعد اجتماع السياسة النقدية على إعادة التضخم إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، مع تجنبه تقديم توجيهات مستقبلية مباشرة للأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة، وهو نهج يختلف عن الأسلوب الذي اتبعه رؤساء الاحتياطي الفيدرالي خلال العقدين الماضيين.
وأضاف أن هذه الرسائل عززت رهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري، مما أدى إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية قصيرة الأجل، وصعود الدولار إلى أعلى مستوياته في 13 شهرًا، بالتزامن مع تراجع أسواق الأسهم من مستوياتها القياسية وانخفاض أسعار الذهب.
ويرى البنك أن هذا التشدد اللفظي يهدف بالأساس إلى تشديد الأوضاع المالية عبر التأثير في توقعات الأسواق، وليس بالضرورة إلى تنفيذ رفع فعلي للفائدة.
النفط يمنح الفيدرالي مساحة للإبقاء على الفائدة
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق المؤقت الذي أبرمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران ساهم في تهدئة الضغوط التضخمية، بعد انخفاض أسعار النفط الخام الأمريكي بنحو 35% مقارنة مع ذروة أبريل، لتقترب من مستوياتها التي سبقت اندلاع الصراع.
وأوضح أن هذا التراجع في أسعار الطاقة من المرجح أن يؤدي إلى انخفاض معدلات التضخم خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال العام الحالي.
وأضاف أن الأسواق بدأت في تسعير هذا السيناريو، إذ انخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات بنحو 30 نقطة أساس منذ ذروة مايو الماضى، بالتزامن مع تراجع توقعات التضخم نتيجة انخفاض أسعار النفط.
4 عوامل تحد من فرص رفع الفائدة
وحدد “ستاندرد تشارترد” أربعة عوامل رئيسية يرى أنها تقلل احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري.
ويأتي في مقدمة هذه العوامل الانخفاض الحاد في أسعار النفط، والذي يتوقع أن ينعكس على معدلات التضخم خلال الفصول المقبلة، خاصة أن ارتفاع التضخم الأمريكي إلى 4.1% في مايو، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، يعكس بيانات تاريخية قد تكون بلغت ذروتها بالفعل.
وأشار التقرير إلى أن سوق العمل الأمريكي بدأ يظهر مجددًا علامات على التباطؤ، مع ارتفاع طلبات إعانة البطالة الجديدة والمستمرة، وهو ما يقلل الضغوط التضخمية المرتبطة بالأجور.
وأضاف أن “وورش” نفسه يرى أن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي سيرفع إنتاجية الاقتصاد الأمريكي ويحد من نمو الأجور، التي تعد المحرك الأساسي لتضخم قطاع الخدمات.
أما العامل الرابع، فيتمثل في اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة خلال نوفمبر، وهو ما يرفع تكلفة اتخاذ قرار برفع أسعار الفائدة، خاصة في ظل مطالبة الرئيس ترامب بخفض الفائدة أكثر من مرة منذ تعيين وورش.
ماذا يعني ذلك للدولار والذهب؟
وبحسب التقرير، فإن استمرار تثبيت أسعار الفائدة سيؤدي إلى الحد من المكاسب الإضافية للدولار الأمريكي، لا سيما في ظل وصول مراكز المستثمرين الشرائية على العملة الأمريكية إلى مستويات مرتفعة بالفعل.
وفي المقابل، يرى البنك أن احتمالات استمرار هبوط الذهب أصبحت محدودة، إذ إن غياب المزيد من التشديد النقدي سيدعم المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة.
السيناريو الذي قد يغير موقف الفيدرالي
ورغم ترجيحه تثبيت أسعار الفائدة، أكد ستاندرد تشارترد أن هذا السيناريو يعتمد على استمرار تباطؤ الضغوط التضخمية.
وأوضح أن الخطر الرئيسي يتمثل في احتمال تسارع نمو الاقتصاد الأمريكي بوتيرة تفوق التوقعات، مدفوعًا بالطلب الموسمي خلال فصل الصيف والإنفاق المرتبط باستضافة بطولة كأس العالم، وهو ما قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وأشار التقرير إلى أن مؤشرات مديري المشتريات الصادرة هذا الأسبوع أظهرت استمرار تحسن ثقة الشركات الأمريكية، متفوقة على نظيراتها في أوروبا واليابان، وهو ما قد يواصل دعم الدولار الأمريكي.
وأضاف أنه إذا تسارع نمو الاقتصاد وارتفعت وتيرة خلق الوظائف، رغم التأثيرات السلبية التي بدأ الذكاء الاصطناعي يفرضها على وظائف قطاعي التمويل وتكنولوجيا المعلومات، فقد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطرًا لرفع أسعار الفائدة، وإن لم يكن ذلك السيناريو الأساسي للبنك.
أرباح الشركات لا تزال تدعم الأسهم
ورغم استمرار بعض التحديات قصيرة الأجل، مثل تشدد الاحتياطي الفيدرالي وارتفاع مراكز المستثمرين وزيادة الطروحات العامة الأولية، يرى “ستاندرد تشارترد” أن أساسيات سوق الأسهم لا تزال قوية.
وأوضح أن توقعات أرباح الشركات تواصل التحسن في السوقين اللتين يفضلهما البنك، وهما الولايات المتحدة وآسيا باستثناء اليابان، كما أن حجم الطروحات العامة الأولية مقارنة بالقيمة السوقية للأسهم الأمريكية لا يزال أقل من متوسطاته التاريخية، رغم ارتفاع قيمة الأموال التي يتم جمعها.
وشملت توصيات البنك أيضًا زيادة التعرض لقطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، والقطاعين المالي والصناعي في منطقة اليورو، إضافة إلى القطاع المالي في اليابان، في ظل استمرار تحسن توقعات أرباح الشركات ودعمها للأصول عالية المخاطر.