شهدت الأصول المالية في جنوب أفريقيا موجة جديدة من اهتمام المستثمرين خلال يونيو الجاري، مدفوعة بتراجع المخاوف المتعلقة بالركود التضخمي وانخفاض الضغوط التضخمية، ما انعكس على تحسن معنويات الأسواق وارتفاع شهية المستثمرين تجاه الأسهم والسندات المحلية، وفقًا لأحدث استطلاع لمديري الصناديق الاستثمارية.
وبحسب استطلاع صادر عن وحدة الأبحاث العالمية في Bank of America وشمل 14 مستثمرًا مؤسسيًا خلال الفترة من 5 إلى 11 يونيو، فقد ارتفعت مستويات التفاؤل في الأسواق الجنوب أفريقية إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2009، حيث أشار صافي 93% من المشاركين إلى وجود فرص شراء تفوق فرص البيع، في أقوى قراءة يتم تسجيلها خلال أكثر من 17 عامًا.
أسهم التعدين عند أعلى مستويات
أظهر الاستطلاع أن مديري الصناديق زادوا من استثماراتهم في أسهم شركات التعدين إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات الخمس الماضية، مستفيدين من تحسن التوقعات الاقتصادية وتراجع المخاطر المرتبطة بالتضخم.
ويعكس هذا التوجه ثقة متزايدة في قدرة الاقتصاد الجنوب أفريقي على تجاوز التحديات التي واجهها خلال الأشهر الماضية، خاصة في ظل تحسن مؤشرات الأسعار العالمية وتراجع تكاليف الطاقة.
هبوط أسعار النفط
لعبت أسعار النفط دورًا رئيسيًا في تغيير نظرة المستثمرين للأسواق الجنوب أفريقية، بعدما تراجعت بنحو 29% خلال يونيو مقارنة بالقمم المسجلة في مايو الماضي، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغوط التضخمية وتقليص المخاوف من ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج.
وأدى هذا الانخفاض إلى تحول جذري في توقعات المستثمرين مقارنة بالشهر السابق، إذ كان صافي 75% من مديري الصناديق يتوقعون ارتفاع معدلات التضخم، بينما رجح 25% حدوث تباطؤ اقتصادي.
أما في استطلاع يونيو، فقد تراجعت قراءة توقعات النشاط الاقتصادي إلى مستوى محايد عند صافي صفر، في حين هبطت توقعات التضخم بشكل حاد إلى صافي 7% فقط، ما يعكس تحسنًا ملموسًا في رؤية المستثمرين لمسار الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.
توقعات برفع الفائدة
على الرغم من انحسار الضغوط التضخمية، أجمع جميع المشاركين في الاستطلاع على توقع رفع أسعار الفائدة من جانب South African Reserve Bank خلال الربع الثالث من العام الجاري.
ويرى المستثمرون أن البنك المركزي سيواصل نهجه المتشدد للحفاظ على استقرار الأسعار وضمان بقاء توقعات التضخم تحت السيطرة، خصوصًا في ظل استمرار بعض المخاطر الخارجية المرتبطة بأسواق الطاقة والسلع العالمية.
وفي مذكرة بحثية منفصلة، أوضح Deutsche Bank أن السياسة النقدية في جنوب أفريقيا قد تشهد مزيدًا من التشديد خلال الأشهر المقبلة، مشيرًا إلى وجود مخاطر تضخمية كامنة قد تدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة بنحو 50 نقطة أساس إضافية إذا عادت أسعار النفط إلى الارتفاع مجددًا.
وفي المقابل، أشار البنك إلى أن هناك فرصة لقيام البنك المركزي بتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر عقده في يوليو المقبل، إذا استمرت توقعات التضخم في الاستقرار عند مستوياتها الحالية.
السندات الحكومية
أظهر الاستطلاع أن السندات الحكومية الجنوب أفريقية لأجل عشر سنوات ما زالت تحظى بجاذبية قوية لدى المستثمرين، حيث اعتبر صافي 29% من مديري الصناديق أنها مقومة بأقل من قيمتها العادلة، ما يعزز فرص تدفق المزيد من الاستثمارات إلى سوق الدين المحلي.
ويأتي هذا التقييم في وقت تسعى فيه الحكومة الجنوب أفريقية إلى تعزيز استقرار المالية العامة وتقليص الضغوط على الموازنة، الأمر الذي يدعم جاذبية أدوات الدين السيادية للمستثمرين المحليين والأجانب.
توقعات إيجابية للراند
على صعيد سوق العملات، تتزايد التوقعات الإيجابية تجاه الراند الجنوب أفريقي، حيث توقع دويتشه بنك وصول سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الراند إلى مستوى 16 راندًا بنهاية عام 2026.
ويرجع البنك هذه النظرة المتفائلة إلى مجموعة من العوامل الداعمة، تشمل قوة الميزان التجاري، واستمرار السياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي في مواجهة التضخم، إضافة إلى حالة الاستقرار السياسي النسبي داخل البلاد.
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن الأسواق الجنوب أفريقية تدخل مرحلة جديدة من التعافي النسبي بعد أشهر من القلق المرتبط بمخاطر الركود التضخمي وارتفاع الأسعار. ومع تراجع تكلفة الطاقة وتحسن توقعات التضخم واستمرار قوة السندات والعملات المحلية، تبدو جنوب أفريقيا في موقع أفضل لجذب تدفقات استثمارية جديدة خلال النصف الثاني من عام 2026.
ويرى محللون أن استمرار هذا التحسن سيظل مرهونًا بمسار أسعار النفط العالمية وقرارات البنك المركزي الجنوب أفريقي، إلى جانب قدرة الاقتصاد على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة في بيئة اقتصادية عالمية لا تزال تتسم بدرجة مرتفعة من عدم اليقين.