قالت بياتريس ويدر دي ماورو، رئيسة مركز بحوث السياسات الاقتصادية، إن أوروبا تملك جميع المقومات الاقتصادية والعسكرية التي تؤهلها لتكون ضمن مصاف القوى العظمى عالميًا، إلا أنها لا تزال تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في غياب التماسك السياسي وضعف ترسيخ مكانتها باعتبارها قوة سيادية فاعلة.
وأوضحت، في مقالها المنشور بمجلة التمويل والتنمية التابعة لصندوق النقد الدولي، أن توصيف أوروبا بأنها "قوة وسطى" لا يعكس حجمها الحقيقي، مشيرة إلى أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يُعد من بين الأكبر عالميًا، وأن دوله مجتمعة تحتل موقعًا متقدمًا في الإنفاق الدفاعي العالمي بعد الولايات المتحدة، وهو ما يجعل هذا التصنيف غير دقيق.
وأضافت أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في نقص الموارد، بل في غياب رؤية سياسية وأمنية موحدة، لافتة إلى أن أوروبا لا تزال تتعامل مع التحولات الاستراتيجية العالمية وكأنها مؤقتة، رغم المؤشرات الواضحة على تراجع الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الأمريكية، ما يفرض على القارة إعادة صياغة مفهومها للأمن والدفاع.
وأشارت إلى أن استمرار الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة في المجال الأمني يحد من قدرة القارة على تطوير استقلال استراتيجي حقيقي، معتبرة أن هذا النهج يعكس فجوة بين القوة الاقتصادية الكبيرة لأوروبا وبين قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي وعسكري متكامل.
وفي ما يتعلق بالبنية الداخلية للاتحاد الأوروبي، شددت على أن تعدد مراكز القرار وتباين الأولويات الوطنية بين الدول الأعضاء يعرقل بناء سياسة دفاعية موحدة، رغم تزايد التحديات الأمنية على حدود القارة، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات بين روسيا وأوكرانيا.
وأوضحت أن الحل لا يكمن في تعزيز الجهود الوطنية بشكل منفصل، بل في تطوير آليات أوروبية مشتركة لتنسيق المشتريات الدفاعية وتكامل الصناعات العسكرية، بما يضمن رفع الكفاءة وتقليل الازدواجية، وصولًا إلى بناء قدرة ردع حقيقية على المستوى القاري.
وأكدت أن أوروبا تقف اليوم أمام خيار استراتيجي حاسم: إما الاستمرار في تعريف نفسها كقوة وسطى بما يحمله ذلك من تراجع في الطموح والنفوذ، أو الانتقال إلى موقع القوة الكبرى القادرة على التأثير في موازين النظام الدولي، ليس فقط عبر الاقتصاد، بل عبر أدوات السيادة الكاملة.