أعلنت وكالة الأمن السيبراني الفرنسية “ANSSI” أنها ستتوقف عن اعتماد منتجات الأمن الرقمي التي لا تعتمد على تقنيات التشفير المقاومة للحوسبة الكمية، في خطوة تُعد تحولًا إستراتيجيًا سيؤثر على الحكومات والمؤسسات الحيوية داخل فرنسا.
وذكرت وكالة “رويترز” أن القرار سيبدأ تطبيقه اعتبارًا من عام 2027، مع دعوة الشركات والمؤسسات إلى اعتماد أنظمة تشفير “آمنة كموميًا” بحلول عام 2030، ضمن توجه أوسع لتعزيز السيادة الرقمية الأوروبية.
وبموجب هذه السياسة، لن تحصل المنتجات غير القادرة على مقاومة الهجمات الكمية على اعتماد رسمي من وكالة “ANSSI”، وهو ما يعني عمليًا إقصاء تدريجيًا للأنظمة القديمة المستخدمة في المؤسسات الحكومية والبنى التحتية الحساسة.
وتُعد موافقة الوكالة شرطًا أساسيًا لاستخدام أي منتج أمني في الجهات الحكومية الفرنسية، مما يمنح القرار تأثيرًا تنظيميًا واسعًا يتجاوز السوق المحلية.
مخاوف من الهجوم المؤجل
تأتي هذه الخطوة وسط مخاوف متزايدة من سيناريو يُعرف باسم “احفظ الآن وفك التشفير لاحقًا”، حيث يمكن للجهات المهاجمة تخزين بيانات مشفرة حاليًا وفكها مستقبلًا عند تطور الحواسيب الكمية.
وترى السلطات الفرنسية أن هذا التهديد يتطلب إعادة تصميم شاملة لأنظمة التشفير المستخدمة عالميًا.
وتشير تقديرات قطاع التكنولوجيا إلى أن التحول نحو التشفير المقاوم للكم قد يخلق سوقًا واسعة في مجالات الأمن السيبراني، مع توقعات بأن تصبح هذه التقنيات جزءًا أساسيًا من أنظمة البنوك والخدمات العامة والبنية التحتية الرقمية.
وتقول شركات مثل “كابجيميني” إن الطلب على هذه الحلول بدأ بالفعل في الارتفاع مع إعادة تقييم المؤسسات لأنظمتها الأمنية.
وتدعم فرنسا هذا التوجه من خلال خطة استثمارية في تقنيات الكم تصل إلى نحو 3 مليارات يورو، في إطار سعي أوروبي للحاق بالدول المنافسة في هذا المجال، خاصة مع التقدم السريع للصين والولايات المتحدة.
كما حذر خبراء من أن بعض خوارزميات التشفير المستخدمة حاليًا، مثل تلك المعتمدة في تقنيات “البلوك تشين”، قد تكون من بين أول الأنظمة المعرضة للكسر مستقبلًا.
وتواجه الشركات الأوروبية العاملة في هذا المجال تحديًا مزدوجًا يتمثل في التوافق مع متطلبات فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى جانب المعايير الأمريكية، مما يفرض ضغوطًا تنظيمية وتقنية متزايدة.
وتؤكد شركات الاستضافة والحوسبة السحابية أنها مضطرة إلى تحديث بنيتها التحتية بالكامل لضمان الامتثال للمعايير الجديدة.
ويمثل قرار فرنسا بالانتقال إلى التشفير المقاوم للحوسبة الكمية خطوة مبكرة في سباق عالمي لإعادة تشكيل أمن البيانات، في ظل مخاوف من تهديدات مستقبلية قد تقلب معايير الأمن السيبراني التقليدية، وتفتح سوقًا جديدًا واسعًا للتقنيات الأمنية المتقدمة خلال العقد المقبل.