انطلقت في القاهرة، اليوم الثلاثاء، فعاليات المؤتمر الدولي السنوي الثاني والثلاثين للاتحاد العربي للأسمدة والمعرض المصاحب له، تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، وبحضور وزراء الزراعة واستصلاح الاراضي والبترول والثروة المعدنية والكهرباء والطاقة المتجددة والصناعة.

وقال الكيميائي سعد أبوالمعاطي الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة، خلال كلمته بالمؤتمر الذي ينعقد في الفترة من 16 إلى 18 يونيو الجاري، إن الفعالية تنعقد هذا العام في ظلّ ظروفٍ استثنائية وتحدياتٍ متسارعة تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع، ما يعطي أهمية خاصة لها ويؤكّد المكانةَ العالمية المتنامية التي تحظى بها صناعة الأسمدة، والدورَ المحوري الذي يقوم به الاتحاد العربي للأسمدة كمنصةً رائدة للحوار والتكامل والتعاون بين مختلف الأطراف المعنية بهذه الصناعة الحيوية.
وأوضح "أبو المعاطي" أن الاجتماع يأتي بمشاركة ما يقارب من 1000 مشارك يمثّلون أكثر من 150 شركة من أكثر من 35 دولة، وبحضورٍ قوي لشركات الإنتاج والتكنولوجيا والمقاولات والخدمات اللوجيستية والتسويق، ما يؤكد أنّ صناعة الأسمدة لم تعد مجرد صناعةٍ تقليدية، بل أصبحت صناعةً استراتيجية ذات قيمةٍ مضافة عالية، تُسهم بصورةٍ مباشرة في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق الاستدامة البيئية، على المستويين الإقليمي والعالمي.

ولفت إلى أن المؤتمر ينعقد هذا العام تحت شعار «بيئة مستدامة وغذاء آمن»، وهو شعارٌ لم يعد مجرد رؤيةٍ مستقبلية أو طموحٍ نظري، بل أصبح ضرورةً ملحة في عالمٍ يواجه تحدياتٍ متزايدة، من أبرزها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، والتقلبات الحادة في الأسواق العالمية، والضغوط المتنامية على الموارد الطبيعية.
وأشار الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة إلى أن التطورات الجارية في المنطقة، وما يصاحبها من توتراتٍ إقليمية، تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، لا سيّما في ظلّ الأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

أضاف: "تظهر خطورةُ المشهد بوضوحٍ في ضوء ما شهده مضيق هرمز أحد أهمّ الممرات التجارية في العالم من اضطرابٍ شديد في حركة الملاحة، وهو الممرّ الذي يمر من خلاله ما يقارب من خُمس تجارة النفط والغاز عالميًّا، وما بين 20 أو 30% من تجارة الأسمدة، ونحو نصف تجارة الكبريت في العالم. وأيُّ اضطرابٍ في هذا الشريان الحيوي ينعكس مباشرةً على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، ويؤثّر في كفاءة سلاسل الإمداد واستقرار الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة".
وقال الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة إن الفترة الأخيرة شهدت بالفعل ارتفاعًا كبيراً في أسعار الغاز الطبيعي، وزيادةً في تكاليف التشغيل والإنتاج، وتراجعًا في معدلات التشغيل لدى بعض المصانع، وتقلباتٍ كبيرة في أسعار الأسمدة بمختلف أنواعها.
واكد "أبو المعاطي" أن سوق الأسمدة لم تعد تُحرّكه الأسعار وحدها، بل تتنازعه الاعتباراتُ السياسة واللوجستيات والطاقة والمواد الخام مجتمعةً. إننا أمام سوقٍ لا يحكمه منطقُ العرض والطلب فحسب، بل تحكمه عوامل أخري من مواد خام ولوجيستيات وسياسات وغيرها.

ولفت إلى أن صناعة الأسمدة تمثّل حلقةً أساسية في منظومة الأمن الغذائي العالمي، وأيُّ اضطرابٍ في هذه الحلقة ينعكس مباشرةً على تكلفة الإنتاج الزراعي، وأسعار السلع الغذائية الأساسية، وعلى قدرة الدول — ولا سيّما النامية منها — على تأمين احتياجاتها الغذائية.
وأكد الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة أن ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًّا أثر في زيادة الأعباء على المزارعين، وتراجُع استخدام المدخلات الزراعية في بعض الدول، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وتفاقم معدلات التضخم الغذائي، وزيادة أعداد المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي حول العالم.
تابع أبو المعاطي: "من هنا، لم تعد الأسمدة مجرد سلعةٍ زراعية، بل غدت قضيةَ أمنٍ قوميٍّ وإنساني، تتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية لضمان استدامة الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد الغذائية".
وأكد أن اجتماعُ وزراء زراعة مجموعة الدول السبع، بصورةٍ طارئة يوم الثامن من يونيو الجاري بخصوص ملفّ الأسمدة، دليلٌ قاطع على ذلك، فقد عُقد لبحث حماية إمدادات الأسمدة في ظلّ تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من اضطراب تدفّقات الغاز والأمونيا والكبريت، وحركة الشحن عبر الخليج ومضيق هرمز.
وأوضح الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة ان الاجتماع إشارةٌ بالغة الدلالة تؤكّد أنّ العالم بات يتعامل مع ملف الأسمدة بالمنطق ذاته الذي يتعامل به مع الطاقة: تنويعًا للمصادر، ومراقبةً للأسواق، وتقويةً لسلاسل الإمداد، واستعدادًا لأيّ تدخّلاتٍ إضافية إن تفاقمت الأزمة.
وقال "أبو المعاطي" إنه في خضم ذلك يبرز الدورُ الحيوي لشركات التكنولوجيا وأصحاب الرخص، والشركات الهندسية، ومقدّمي الحلول الرقمية والبيئية، في إعادة تشكيل مستقبل صناعة الأسمدة، عبر تطوير تقنياتٍ أكثر كفاءةً واستدامة، وتحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية.
ولفت إلى أنه رغم التحديات العالمية الراهنة، فإنّ المنطقة العربية تمتلك مقوماتٍ استثنائية تؤهّلها للقيام بدورٍ محوري في مستقبل صناعة الأسمدة العالمية، وفي مقدمتها وفرةُ موارد الغاز الطبيعي والفوسفات والبوتاس والكبريت والأمونيا، وتوافرُ قاعدةٍ صناعية راسخة قابلة للتوسّع والتطوير، وموقعٌ جغرافي استراتيجي يربط بين الأسواق العالمية، إضافةً إلى الخبرات البشرية والكفاءات الفنية المتراكمة.
وأكد "أبو المعاطي" أن الاتحاد العربي للأسمدة يؤمن بأنّ المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكامل العربي في مجالات الإنتاج والتجارة والاستثمار، وتطوير البنية اللوجستية وسلاسل الإمداد، وتوطين التكنولوجيا، ودعم البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في تعزيز القدرة التنافسية للصناعة العربية على المستوى العالمي.
وشدد "أبو المعاطي" على ان ضرورة الحاجة لبناء منظومةٍ عربية متكاملة لأمن المغذّيات الزراعية وهذه المنظومة لا تكتفي بزيادة الإنتاج، بل تقوم على 4 ركائز هي: نظامٌ عربيّ للإنذار المبكر ومراقبة الأسواق، وكذلك مخزوناتٌ مرنة من المواد والأسمدة الأساسية تتوزّع على الموانئ والممرات اللوجستية، بالاضافة إلى عقودُ توريدٍ طويلة الأجل مع الأسواق، وأخيرًا تكاملٌ راسخ بين الغاز الطبيعي وإنتاج الأمونيا بنوعَيها التقليدي والأزرق.
وأكد الأمين العام للإتحاد العربي للأسمدة أن هذا المؤتمر لا يقتصر على كونه منصةً للنقاش وتبادل الرؤى، بل يمثّل ملتقًى دوليًّا يجمع صنّاع القرار وقادة الصناعة والخبراء، ويوفّر سوقًا متكاملة للتكنولوجيا والحلول الصناعية الحديثة، كما يتيح فرصًا واسعة لبناء الشراكات الاستراتيجية وتطوير علاقات التعاون بين المنتجين والموردين والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
وأختتم أبو المعاطي كلمته قائلًا: أتطلع إلى أن تُسفر مناقشاتنا خلال الأيام المقبلة عن رؤًى عملية وتوصياتٍ قابلة للتنفيذ، تسهم في دعم استدامة صناعة الأسمدة، وتعزيز الأمن الغذائي العالمي، ودعم استقرار الاقتصاد الدولي".