أكد الدكتور سعيد خليل، أستاذ البيو تكنولوجي في مركز البحوث الزراعية والمستشار الفني لوزير الزراعة الأسبق، أن نجاح تجربة زراعة القمح باستخدام المياه مرتفعة الملوحة، التي أعلنت عنها وزارة الزراعة مؤخرًا، يتوقف على 3 شروط رئيسية تشمل الثبات الوراثي للأصناف، واستمرار التقييم البحثي لعدة سنوات، واختيار الأراضي وطرق الإدارة الزراعية المناسبة، محذرًا من التوسع التجاري السريع قبل استكمال جميع الاختبارات العلمية.
وقال خليل إن ما أعلنته وزارة الزراعة يمثل خطوة بحثية مهمة للغاية في ملف الأمن الغذائي، خاصة مع التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع ملوحة بعض مصادر الري، إلا أن تحويل التجربة إلى مشروع واسع النطاق يحتاج إلى مراحل علمية دقيقة لضمان استقرار النتائج على المدى الطويل.
وأوضح أن الشرط الأول يتمثل في التأكد من الثبات الوراثي للصنف المزروع، بحيث يحتفظ النبات بقدرته على تحمُّل الملوحة عبر الأجيال المختلفة، مشيرًا إلى أن الباحثين لا يكتفون بتحقيق إنتاجية جيدة في موسم واحد، بل يدرسون الجينات المسئولة عن تحمُّل الإجهاد الملحي ومدى استقرارها وراثيًّا.
وأضاف أن إجراء “البصمة الوراثية” يعد عنصرًا أساسيًّا في تقييم الأصناف الجديدة؛ لأنه يسمح بتحديد الصفات الوراثية المرتبطة بتحمل الملوحة، والتأكد من عدم فقدانها مع التوسع في الزراعة على مساحات كبيرة.
وأشار إلى أن الشرط الثاني يتعلق بإجراء تقييمات متعددة داخل المعاهد البحثية المتخصصة، موضحًا أن أي صنف جديد من القمح المتحمل للملوحة يخضع لاختبارات تمتد لعامين على الأقل داخل 5 معاهد ومراكز بحثية متخصصة، تشمل معهد بحوث المحاصيل الحقلية، ومعهد الأراضي والمياه والبيئة، بالإضافة إلى معامل مقاومة الأمراض والتقييم الوراثي.
وأكد أن هذه الاختبارات لا تركز فحسب على الإنتاجية، بل تشمل أيضًا قدرة النبات على مقاومة الأمراض، وتحمُّل الظروف البيئية المختلفة، وثبات الصفات الوراثية، وجودة الحبوب الناتجة، بما يضمن نجاح الصنف عند زراعته تجاريًا.
وأوضح أن الشرط الثالث يتمثل في الإدارة الزراعية السليمة، بداية من اختيار نوعية التربة المناسبة، وطرق الري، وبرامج التسميد، وحتى إدارة الصرف الزراعي؛ لأن نجاح زراعة القمح تحت ظروف الملوحة لا يعتمد على الصنف وحده.
وقال إن هناك فارقًا كبيرًا بين نجاح تجربة بحثية على نطاق محدود، وبين التوسع في زراعة 10 أو 20 ألف فدان، موضحًا أن التوسع التجاري يحتاج إلى التأكد من استقرار النتائج في ظروف زراعية مختلفة وعلى نطاقات واسعة.
وأضاف أن الدولة تدعم بقوة هذه الأبحاث باعتبارها أحد الحلول المستقبلية لمواجهة محدودية الموارد المائية، خاصة في المناطق الصحراوية والأراضي الجديدة التي تعاني ارتفاع نسب الملوحة.
وأشار إلى أن مصر تمتلك خبرات علمية كبيرة في مجال الهندسة الوراثية وتحسين المحاصيل، ما يتيح تطوير أصناف قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية والظروف البيئية الصعبة، بما يدعم خطط تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الفجوة الاستيرادية.
كانت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي قد أعلنت، الشهر الماضي، نجاح مركز بحوث الصحراء في تحقيق طفرة بحثية جديدة بزراعة القمح باستخدام مياه تصل درجة ملوحتها إلى 8000 جزء في المليون، مع تحقيق إنتاجية مرتفعة للفدان، في خطوةٍ وصفتها الوزارة بأنها إنجاز نوعيّ لدعم الأمن الغذائي المصري والتوسع في استغلال الأراضي الصحراوية.