«شمس مصر».. الطاقة المتجددة في مواجهة الحروب والمناخ.. من يربح معركة المستقبل؟

الأمم المتحدة تطلق مبادرة "طاقة مستدامة للجميع"

طاقة شمسية

في معركة العالم ضد تغير المناخ تقف الطاقة كمتّهم رئيسي وكحل محتمل؛ فما يزال الاقتصاد العالمي يعتمد بنحو 80% من الطاقة و66% من الكهرباء على الوقود الأحفوري، الذي يغذي النمو ويُثقل الغلاف الجوي بانبعاثات تمثل 60% من مسببات الاحتباس الحراري وتلوث الهواء و85% من الجسيمات العالقة وتقريبًا جميع أكاسيد الكبريت والنيتروجين.

ومع تصاعد أزمات الإمدادات عالميًا بفعل الحروب والتوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الوقود، تتجه الحكومات إلى إعادة صياغة سياساتها الطاقية، عبر التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة باعتبارها لم تعد مجرد خيار بيئي، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية ترتبط بأمن الطاقة والأمن الغذائي في آن واحد.

كما لم تعد قضية التحول إلى الطاقة النظيفة ترفًا بيئيًا أو رفاهية للدول المتقدمة، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية المستدامة، كما عرّفها تقرير بروندتلاند للتنمية المستدامة لعام 1987 بعنوان "مستقبلنا المشترك" بأنها طاقة تلبي احتياجات الأجيال الحالية دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة.

تناول الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة الحاجة إلى أنظمة طاقة أكثر استدامة للجميع، بينما الحصول على طاقة نظيفة بأسعار معقولة أمر ضروري لتحقيق الهدف الأول والثالث والخامس والتاسع والحادي عشر والثالث عشر.

إلا أن الواقع يكشف عن مفارقة حادة.. العالم يعرف الخطر لكنه يتباطأ في الاستجابة. تعهدات بمئات المليارات ومؤتمرات دولية وأهداف لمضاعفة الطاقة المتجددة، تقابلها فجوة تنفيذية واستمرار في الانبعاثات. وفي خضم هذا التناقض، تتقدم الطاقة المتجددة مستفيدة من تراجع تكلفتها وتزايد الاستثمارات فيها، لكنها تصطدم بتحديات أكثر تعقيدًا، يكشف عنها التقرير.

من هنا، يتجاوز النقاش حدود التكنولوجيا والبيئة، ليطال بنية الاقتصاد العالمي وعدالة توزيع الفرص والثروات، في اختبار حقيقي لقدرة الدول -خاصة النامية- على تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية، والاستدامة البيئية. 

مبادرة «شمس مصر» 

 

وفي هذا الإطار، تبرز مبادرة «شمس مصر» كإحدى المبادرات الوطنية الهادفة إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، من خلال دعم استخدام الطاقة الشمسية بالمنازل والقطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030.

وقال المهندس أيمن هيبة، رئيس جمعية تنمية الطاقة المستدامة «سيدا» ورئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة ، إن العالم يواجه اليوم تحديًا غير مسبوق فيما يتعلق بتأمين احتياجاته من الطاقة، بعد أن كشفت الأزمات الدولية الأخيرة عن هشاشة الاعتماد الكامل على الوقود التقليدي، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تسريع خطط التحول نحو الطاقة المتجددة.

وأضاف أن الطاقة الشمسية أصبحت تمثل أحد أهم الحلول العملية لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، إلى جانب دورها في خفض الانبعاثات الكربونية ودعم استدامة الموارد، مؤكدًا أن «الطاقة الشمسية تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي المصري في المستقبل، ومبادرة “شمس مصر” هي الجسر نحو زراعة خضراء أقل تكلفة وأكثر استدامة».

وأوضح أن الاعتماد على الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي، خاصة في نظم الري الشمسي، يوفر بدائل أكثر كفاءة واستقرارًا مقارنة بالوقود التقليدي، من خلال تقليل الاعتماد على السولار وخفض تكاليف التشغيل والصيانة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي واستدامته.

الطاقة النظيفة.. من رفاهية بيئية إلى ضرورة اقتصادية

 

وأشار هيبة إلى أن التحولات العالمية الأخيرة أثبتت أن ملف الطاقة لم يعد منفصلًا عن الاقتصاد أو الأمن القومي، لافتًا إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا دفع العديد من الدول إلى التوسع في الاستثمارات المرتبطة بالطاقة الشمسية ومصادر الطاقة النظيفة الأقل تكلفة على المدى الطويل.

وأكد أن القطاع الخاص في مصر يطالب حاليًا بحزمة حوافز جديدة لتشجيع التحول للطاقة الشمسية، تشمل آليات تمويل مبتكرة وإعفاءات ضريبية تساعد المصانع والمنازل على تحمل التكلفة الاستثمارية الأولية.

وأوضح أن جمعية تنمية الطاقة المستدامة «سيدا» أجرت خلال السنوات الماضية مفاوضات مع وزارتي الكهرباء والمالية، انتهت إلى توجيهات حكومية بالإسراع في إطلاق مبادرة تحفيزية لدعم انتشار الطاقة الشمسية، خاصة لدى المستخدم النهائي.

وأضاف أن الدولة نجحت خلال السنوات الماضية في جذب استثمارات ضخمة لمحطات إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، إلا أن التحدي الحقيقي في المرحلة الحالية يتمثل في تمكين المستهلك نفسه من إنتاج واستخدام الطاقة النظيفة.

تشريعات جديدة تدفع السوق للنمو

 

ولفت إلى أن القرارات التنظيمية الأخيرة أصبحت تمثل عاملًا رئيسيًا في دفع سوق الطاقة المتجددة، خاصة مع إلزام المصانع الجديدة بتوفير 25% من احتياجاتها من مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الطلب على حلول الطاقة الشمسية خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب وجود إطار تمويلي وتنظيمي مرن، يساعد الشركات والأفراد على تنفيذ المشروعات دون أعباء مالية ضخمة، خاصة أن التكلفة الأولية لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام انتشار الطاقة الشمسية.

صندوق تمويل أخضر لدعم التحول

 

وكشف هيبة أن مقترح «شمس مصر» يتضمن إنشاء صندوق لدعم التحول في مجال الطاقة، يعتمد على التمويل الذاتي دون تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

وأوضح أن المقترح يشمل فرض رسم رمزي بقيمة قرش واحد لكل كيلووات/ساعة على فواتير الكهرباء، بما يتيح توفير ما بين 2 و3 مليارات جنيه سنويًا لدعم مشروعات الطاقة الشمسية.

كما يتضمن المقترح جذب المزيد من التمويلات الخضراء الدولية، إلى جانب إعفاء مكونات الطاقة الشمسية من ضريبة القيمة المضافة والضريبة العقارية، بما يسهم في خفض تكلفة المشروعات وتحفيز انتشارها.

وأكد أن الوفر الناتج عن تقليل استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاج الكهرباء سيعوض هذه الحوافز خلال فترة قصيرة، خاصة مع إمكانية إعادة توجيه الغاز للتصدير أو للصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى.

فرص عمل وتوطين للصناعة

 

وأشار هيبة إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية الموزعة، مثل تركيب الألواح فوق أسطح المنازل والمصانع، يوفر فرص عمل محلية مستدامة بمعدلات تفوق المشروعات المركزية الكبرى بنحو 3 إلى 5 مرات.

وأضاف أن زيادة الطلب المحلي على حلول الطاقة الشمسية ستمثل فرصة مهمة لتوطين صناعة مكونات الطاقة الشمسية في مصر، بما يدعم الصناعة الوطنية ويخفض الاعتماد على الواردات.

العالم بين الإدراك والتردد.. لماذا يتأخر التحول الطاقي؟

 

في 2021، أسفر الحوار رفيع المستوى بشأن الطاقة، كأول تجمع عالمي حول الطاقة تحت رعاية الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1981، عن وضع خارطة الطريق العالمية لتسريع العمل على تحقيق الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة. أبرم الحوار نحو 200 اتفاقية طاقة تتضمن التزامات طوعية تزيد عن 600 مليار دولار في إطار الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة.

في 2011، أطلق الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون مبادرة "طاقة مستدامة للجميع"، والتي تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لحشد الجهود لتحقيق 3 أهداف، هي توفير الطاقة للجميع ومضاعفة معدل تحسين كفاءة الطاقة العالمية ومضاعفة حصة الطاقة المتجددة عالميًا.

في 2023، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/77/327 يوم 26 يناير من كل عام يومًا عالميًا للطاقة النظيفة، كدعوة لرفع مستوى الوعي بالطاقة النظيفة، كما يصادف 26 يناير أيضًا تاريخ تأسيس الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA).

خصّصت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فصلًا كاملًا لأنظمة الطاقة حول التخفيف من آثار تغير المناخ، مشيرة إلى دور الوقود الأحفوري في زيادة مستويات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، وأهمية التحوّل السريع إلى مصادر طاقة أنظف.

خلال مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في البرازيل، أعلنت حكومتا كولومبيا وهولندا عن استضافتهما المشتركة للمؤتمر الأول حول الانتقال من الوقود الأحفوري، والمقرر عقده في الفترة 24-29 أبريل الحالي، في سانتا مارتا، بهدف تعزيز الجهود الجماعية للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وسيحدد المسارات القانونية والاقتصادية والاجتماعية لتحقيق ذلك، بما يتماشى مع "إعلان بيليم بشأن الانتقال العادل بعيدًا عن الوقود الأحفوري"، وقد وقع الإعلان 24 دولة.

دعا مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين الدول إلى "مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة عالميًا 3 مرات ومضاعفة المعدل السنوي العالمي لتحسين كفاءة الطاقة بحلول 2030"، وهو إقرار بالحاجة لتخفيضات الاحتباس الحراري بما يتماشى مع مسارات 1.5 درجة مئوية.

كما سلط التعهد العالمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة الضوء على مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة 3 مرات بحلول 2030، أو ما لا يقل عن 11000 جيجاواط، مع مضاعفة متوسط ​​المعدل السنوي العالمي لتحسين كفاءة الطاقة من 2% إلى أكثر من 4% كل عام حتى 2030، وهو تعهد من أكثر من 130 حكومة وطنية.

وأطلقت شبكة تضم أكثر من 400 منظمة حملة تدعو إلى معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري، وتطالب المبادرة بصك عالمي ملزم بهدف "التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ودعم الاقتصادات والعمال والمجتمعات التي تعتمد عليه في تنويع مصادر دخلها بعيدًا عن الوقود الأحفوري، وضمان حصول جميع سكان العالم على الطاقة المتجددة، وتعزيز انتقال عادل لا يهمل أحدًا".

الوقود الأحفوري.. محرك النمو وقنبلة المناخ

 

وفق دراسة نُشرتها مجلة Nature في 2021، خلص العلماء إلى ضرورة إبقاء نحو 90% من احتياطيات الفحم و60% من احتياطيات النفط والغاز في باطن الأرض بحلول 2050، للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى أقل من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ورغم التزام الحكومات بخفض استهلاك الوقود الأحفوري بموجب اتفاقية باريس، لا توجد آليات ملزمة تحد من إنتاج الوقود الأحفوري.

ورغم أن الوقود الأحفوري ما يزال المصدر الأكبر لإنتاج الطاقة عالميًا، فإن مصادر الطاقة المتجددة، مثل الرياح والشمسية والكهرومائية والحرارية الأرضية، تُغذي حاليًا نحو 29% من الكهرباء العالمية. كما وجدت وكالة الطاقة الدولية أن الإضافات السنوية العالمية لقدرات الطاقة المتجددة زادت بنحو 50% لتصل إلى 510 جيجاوات في 2023، مدفوعةً بسوق الطاقة الشمسية الكهروضوئية في الصين، بينما ارتفع الاستثمار في الطاقة النظيفة بنسبة 40% منذ 2020.

تدعم مصادر الطاقة المتجددة خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وهو ما يعزز دورها في التخفيف من آثار تغير المناخ، وتشير نتائج الواقع إلى أن جميع مصادر الطاقة المتجددة ترتبط بانخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة، وكذلك تقنيات الطاقة الشمسية الكهروضوئية والرياح.

ويتطلب الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، كما نص اتفاق باريس، انتقالًا إلى اقتصاد محايد مناخيًا، مدفوعًا بإزالة الكربون من نظام الطاقة عبر مصادر الطاقة المتجددة (RES).

يُشار إلى ذلك بـ"تحول الطاقة"، ويعني الانتقال نحو تقنيات منخفضة الكربون تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، مثل الألواح الشمسية الكهروضوئية وتوربينات الرياح، مع تحسينات كفاءة الطاقة.

وقد تفرض تلك الأبعاد التكنولوجية والبيئية المصاحبة لتحول الطاقة تحديات اجتماعية واقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الوظائف وخسائر الدخل وتدهور الرفاه الاجتماعي وعدم تحمل تكاليف الطاقة لا سيما من السكان الأكثر ضعفًا.

 

هل يدفع الفقراء فاتورة الطاقة النظيفة؟

 

قد أثار تحول الطاقة تساؤلات حول الإنصاف والمساواة، مع ضرورة علاج الآثار الاجتماعية لإزالة الكربون جنبًا إلى جنب الأهداف البيئية والاقتصادية، وهي وجهات نظر محورية في مفهوم "الانتقال العادل".

وقد ظهر مفهوم الانتقال العادل لأول مرة في أواخر سبعينيات القرن الماضي، من مطالب نقابات العمال الأمريكية بالتعويض عن فقدان وظائف الصناعات الملوثة المتأثرة باللوائح البيئية، وتطور ليصبح مبدأ معترفًا به عالميًا، وتم تضمينه في إرشادات منظمة العمل الدولية (ILO) لعام 2015 وتثبيته في حوكمة المناخ الرئيسية مثل اتفاق باريس ومؤتمرات الأطراف (COPs) وتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

يركز مفهوم الانتقال العادل على ضرورة تحقيق تحوّل الطاقة تخفيضات في انبعاثات الغازات الدفيئة على أن يضمن أيضًا العدالة الاجتماعية والمساواة ويعزز التنمية الشاملة، بتقاسم فرص تحول الطاقة بعدل بين الجميع، بما في ذلك المهمشين كالعمال والمجتمعات الضعيفة وألا يُترك أحد خلف الركب.

وبرز الاتحاد الأوروبي كقائد عالمي لتفعيل مفهوم الانتقال العادل عبر سياسته، لا سيما ضمن الاتفاق الأخضر، لتحقيق حياد الكربون بحلول 2050 مع دعم المتضررين من تغير المناخ، بينما تشارك دول الاتحاد الأوروبي لدفع تحول الطاقة؛ لدمج مصادر الطاقة المتجددة بمرونة اقتصادية متماسكة اجتماعيًا.

الطاقة المتجددة وعدم المساواة.. هل تخفّض الفجوة أم تعمّقها؟

 

وجدت دراسات أن استهلاك الطاقة المتجددة قد يقلل من عدم مساواة الدخل لدى الاقتصادات المتقدمة، إذ تعزز أنظمة الطاقة النظيفة القدرة على تحمل التكاليف، بينما توصلت دراسات أخرى إلى نتيجة معاكسة لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ إن زيادة بنسبة 1% في إنتاج الطاقة الشمسية ترفع عدم المساواة بنسبة 0.22%، وقد يبرر ذلك في أن التكاليف المالية للإعانات تزيد الضرائب وتلغي مكاسب انخفاض أسعار الكهرباء.

كما أثارت دراسات أخرى أن نشر الطاقة المتجددة قد يخفف من عدم المساواة إذا كان جزءًا أصيلًا من أطر السياسات، ولكنه يفاقم التفاوتات عندما تظل الفجوات التكنولوجية والداخلية دون معالجة. فالقدرة على تحمل التكاليف تُقاس عادة بأسعار الكهرباء، وتشير تجارب دول أوروبية إلى أن زيادة مصادر الطاقة المتجددة تخفّض متوسط الأسعار، بينما أظهرت دراسة  في ألمانيا أن هبوط أسعار الطاقة المتجددة قد يقابله ارتفاع أسعار الكربون والغاز وزيادة الطلب على الكهرباء والتخلص من الطاقة النووية.

وفي اليابان، تشير دراسة إلى أن أسعار الكهرباء تفسر أكثر من 11% من عدم المساواة في الطاقة المنزلية، وهو ما يؤكد أن القدرة على تحمل التكاليف لا تعتمد فقط على اختراق مصادر الطاقة المتجددة ولكن أيضًا على ظروف السوق والظروف الاجتماعية والاقتصادية.

بين مكاسب المناخ وتحديات العدالة الاقتصادية

 

ومع رسوخ الفوائد البيئية لمصادر الطاقة المتجددة، إلا أن آثارها الاجتماعية والاقتصادية تبقى موضع نقاش، وتشير دراسات إلى إمكانية دفعها النمو الشامل وخلق فرص عمل وتحسين الرفاهية، بينما يثير آخرون مخاوف كارتفاع تكاليف الكهرباء والتفاوتات الإقليمية وزيادة عدم المساواة لا سيما بين المجتمعات الضعيفة.

والانتقال العادل للطاقة يتطلب فهم تأثيرات مصادر الطاقة المتجددة على المؤشرات الرئيسية مثل نسب التوظيف والقدرة على تحمل تكاليف الطاقة وتخفيض الانبعاثات، وهو ما قد يساعد صناع السياسات في تخفيف الآثار السلبية وتعظيم الفوائد الاجتماعية والبيئية.

ورغم الاعتراف الواسع بأن الكهرباء المتجددة حاسمة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، فإن آثارها على التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية ما تزال أقل وضوحًا، وقد فحصت معظم التقارير الصحفية والأبحاث العلمية والدراسات الأكاديمية هذه الأبعاد، أي ركزت على تأثيرات الطاقة المتجددة على النمو الاقتصادي أو على تقلبات أسعار الكهرباء أو على التوظيف أو الدخل وعدم المساواة، ولكنها أهملت تأثيرات تقنيات الرياح أو الطاقة الشمسية، التي يُتوقع أن تخفّف من تغير المناخ مستقبلًا.

التحول نحو طاقة نظيفة.. لا يخص المناخ فقط 

 

تحد الكهرباء المتجددة من انبعاثات الغازات الدفيئة، وهو موضوع مهم نقاشات الباحثين حول السياسات البيئية وتحول الطاقة، وأكدت دراسات أن إنتاج الطاقة المتجددة يقلل بفعالية انبعاثات الغازات الدفيئة بدول الاتحاد الأوروبي، كما أن ثمة علاقة سببية قوية بين زيادات حصص الطاقة المتجددة وانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بينما تشير دراسات إلى أن مصادر الطاقة المتجددة تؤثر إيجابًا على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الاتحاد الأوروبي، رغم تفاوتات التكنولوجيا بين الدول الأعضاء.

كما أكدت دراسات أخرى دور نشر طاقة الرياح في إزاحة الوقود الأحفوري والمساهمة في خفض الانبعاثات، بينما وجدت بعض الدراسات تأثيرًا محدودًا على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة (RES) أمر مهم للتخفيف من آثار تغير المناخ، ومع ذلك، فإن تحليل تقنيات الطاقة المتجددة ينطوي على اختلافات مهمة، فعلى سبيل المثال، طاقة الرياح لها تأثيرات بيئية أقل من الطاقة الشمسية، بينما تمثل الطاقة الكهرومائية مخاطر بيئية أكبر، كما اهتمت دراسات حديثة بتقييم المتجددات من منظور أوسع يشمل العدالة الاجتماعية، والقضايا الاقتصادية، وعزز هذا المنظور أهمية تحديد إطار لـ"الانتقال العادل للطاقة" (JET) للتأكيد على أن إزالة الكربون تحقق فوائد اقتصادية وعدالة اجتماعية لتعزيز المساواة.

وغالبًا ما يُغفَل البعد الاقتصادي في مناقشات الانتقال العادل للطاقة، رغم أن إرشادات منظمة العمل الدولية تؤكد صراحة على أهمية مواءمة النمو الاقتصادي مع الأهداف الاجتماعية والبيئية، ومن ثمّ، لا بد من تقييم متكامل يستوعب أهداف التنمية المستدامة: الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

الطاقة والنمو.. علاقة معقدة بين الكهرباء والاقتصاد

 

أظهرت بعض الدراسات أن الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة يرتبط بتوسع الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص العمل، كما تفيد دراسات أخرى بأن الكهرباء المتجددة وغير المتجددة تؤثر على ديناميكيات النمو، فعلى سبيل المثال، ارتبطت مؤشرات استهلاك الكهرباء إيجابًا بالناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إذ قاد النمو الاقتصادي إلى الطلب على الطاقة، وهو ما يشير إلى أن نشر الطاقة المتجددة قد يتبع التوسع الاقتصادي.

إلا أن ثمة آراء سلبية حول قضية استهلاك الطاقة المتجددة والناتج المحلي الإجمالي، إذ تشير بعض الدراسات إلى أنه ليست ثمة علاقة سببية بين استهلاك الطاقة المتجددة والناتج المحلي الإجمالي في أوروبا، بينما أفادت دراسات أخرى العلاقة بين استهلاك الطاقة المتجددة والنمو الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي ليست مجدية اقتصاديًا على المدى القصير، إلا أن المتوقع أن تحقق نموًا مضطردًا على المدى الطويل.

سوق العمل الأخضر.. وظائف جديدة أم بطالة مقنعة؟

 

تشير دراسات إلى أن مصادر الطاقة المتجددة أكثر كثافة عمالية من الوقود الأحفوري وتميل إلى تحقيق مكاسب صافية في التوظيف قُدرت بأن كل زيادة بنسبة 1% في القدرة المتجددة تؤدي إلى ارتفاع بنسبة 0.48% في التوظيف داخل الاتحاد الأوروبي. 

بينما أفادت دراسات أخرى بوجود تأثيرات توظيف محلية إيجابية في أسبانيا، ولكنها "متواضعة"، إلا أن نشر الطاقة الشمسية في رواندا -على سبيل المثال- ولّد وظائف جديدة، إذ خلقت مصادر الطاقة المتجددة وظائف جديدة في مجالات الاستهلاك والتركيب والصيانة، وقد يعوّض ذلك الخسائر الوظيفية المرتبطة بقطاعات الوقود الأحفوري.

ولكن وجدت بعض الدراسات أن مكاسب التوظيف الصافية في مصادر الطاقة المتجددة قد تكون متواضعة بمجرد إزاحة الوقود الأحفوري، وأن جودة الوظائف والتفاوتات الإقليمية ما تزال مصدر قلق كبير، كما حذّرت دراسات من أن تراجع تعدين الفحم قد يؤدي إلى بطالة هيكلية، كما تشير دراسات أخرى إلى أن حجم فوائد التوظيف والرفاهية إثر التحول نحو الطاقة المتجددة يعتمد على تصميم الدعم وآليات التمويل والظروف الاقتصادية الكلية.

لدى مصادر الطاقة المتجددة قدرة على توليد فرص العمل والتخفيف من عدم المساواة، ولكن حجم هذه الفوائد وتوزيعها ليس منتظمًا، إذ تتفاوت نتائجه عبر التقنيات والمناطق وأطر السياسات، وغالبًا ما تخضع التأثيرات الإيجابية لإجراءات تكميلية مثل إعادة تأهيل المهارات والإعانات الموجهة والاستثمارات في البنية التحتية.

كيف تحقق مصر مستقبلًا نظيفًا طاقيًا؟

 

المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ الدكتور هشام عيسى، يقول إن تصميم سياسات الانتقال المستدام والعادل للطاقة يشمل توسع الكهرباء المتجددة شريطة توافر أطر سياسات حكومية متكاملة تراعي الأهداف البيئية والاجتماعية.

أشارت دراسات أخرى إلى ضرورة إعادة تنظيم القوانين وتوجيه إعانات للأسر ذات الدخل المنخفض لضمان نجاح مبادرات الطاقة النظيفة.

يضيف "عيسى" أن الاستثمار العام والخاص في تقنيات طاقة الرياح والشمسية الكهروضوئية يمنح الشبكة مرونة أكبر وقدرة على مواجهة الضغوط، لا سيما وأن العنصر الأحفوري تسيطر عليه حاليًا مجريات جيوسياسية أظهرتها الحرب الإيرانية.

وذكرت دراسات أن توليد الطاقة الشمسية اللامركزي عبر خطط الطاقة المجتمعية وبرامج الطاقة الشمسية الكهروضوئية السكنية هو إحدى إستراتيجيات تحمل التكاليف والمرونة.

خبير مصر لدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ الدكتور صابر عثمان، يقول إن السياسات المصرية تحتاج توسيع مصادر الطاقة المتجددة بطرق تولد فوائد اجتماعية أوسع، مثل تمويل المباني الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، لضمان تقاسم الفوائد الاقتصادية لنشر الطاقة المتجددة مع المستهلكين.

وأكدت دراسات أن آليات التمويل المحلية، مثل الإعانات المدعومة من البلديات أو دعم الأسر ذات الدخل المنخفض تضمن أن اللامركزية تكمّل المكاسب الاقتصادية والبيئية من نشر الطاقة المتجددة، كما أن الاستثمار في البنية التحتية يدمج حصة عالية من مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة.

لم يعد السؤال ما إذا كان العالم سيتحوّل إلى الطاقة النظيفة، بل كيف ولصالح من؟ فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط خفض الانبعاثات، بل إعادة توزيع كلفة التحول ومكاسبه بين واقعٍ ما يزال أسير الوقود الأحفوري ومستقبل تُرسم ملامحه بالطاقة المتجددة. تقف الدول -خاصة النامية- أمام اختبار قاسٍ.. إما أن تصنع انتقالًا عادلًا يوازن بين البيئة والاقتصاد والإنسان أو تدفع ثمن تحولٍ غير مكتمل يزيد الفجوات بدل أن يردمها.

لم تعد الطاقة مجرد مورد، بل أصبحت مرآة للعدالة. وكل قرار يُتخذ في هذا الملف لن يحدد شكل المناخ فقط، بل شكل المجتمعات أيضًا.. أكثر إنصافًا أم هشاشة.