وجهت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، رسالة عقب انتهاء اجتماعات الربيع التي انعقدت في العاصمة الأمريكية واشنطن على مدار 6 أيام متتالية، إذ أعربت عن شكرها للجهود المبذولة في ظل التوترات التي يشهدها العالم جراء الحرب في الشرق الأوسط.
وأكدت “جورجيفا” تطلعها للاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدوليين المنتظر عقدها في بانكوك في تايلاند أكتوبر المقبل، بحضور حشد كبير من كبار قادة الاقتصاد العالمي.
وتعقد الاجتماعات السنوية، لعامين متتالين في واشنطن ثم العام الثالث في أحد البلدان الأعضاء بالمؤسستين.
وكانت حرب إيران ألقت بظلالها على اجتماعات الربيع، إذ حذرت “جورجيفا” من الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العالمي، قائلة: "كل الطرق تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ وتيرة النمو"، وذلك في ظل استمرار تداعيات الأزمات الجيوسياسية.
وخفض صندوق النقد توقعاته للنمو العالمي ورفع توقعاته للتضخم نتيجة الحرب. كما تكهن بتضرر الأسواق الناشئة والبلدان النامية أكثر من غيرها.
وخلال الاجتماعات، أطلق الصندوق تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الذي تضمن 3 سيناريوهات لتداعيات هذه الأزمة، موضحًا أن أحد هذه المسارات يعد أقل ضررا، وذلك في حالة انتهاء الحرب خلال أسابيع قليلة، وعودة أسواق الطاقة إلى طبيعتها بحلول منتصف العام الجاري.
وفي هذه الحالة، توقع الصندوق أن يبلغ النمو العالمي 3.1% هذا العام، أي أقل بـ0.2 نقطة مئوية فقط من توقعات ما قبل الحرب، على أن يصل التضخم إلى 4.4%.
أما السيناريوهان الآخران، فكانا أكثر تشاؤما، إذ أشار الصندوق إلى أن السيناريو السلبي، يبلغ فيه متوسط أسعار النفط نحو 100 دولار للبرميل خلال 2026، مما ينعكس على نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.5% فقط، مقابل 3.3% في توقعات يناير. وفي السيناريو الشديد التشاؤم، فإن صدمة الطاقة تستمر، في حين يبلغ متوسط أسعار النفط 110 دولارات هذا العام و125 دولارا في العام المقبل، على أن يتراجع النمو العالمي إلى 2% فقط في 2026، ويصل التضخم إلى 5.8%، الأمر الذي يقترب من حالة ركود عالمي، تشبه ما حدث 4 مرات فقط منذ عام 1980، من بينها الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19.
كما خفض الصندوق تقديراته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى 1.4% في 2026، بانخفاض قدره 2.3 نقطة مئوية مقارنة بتوقعاته السابقة، في واحدة من أكبر المراجعات السلبية للنمو في السنوات الأخيرة.
بدورها، أكدت مديرة الصندوق أن رفع الإنتاجية وتعزيز النمو يمثلان السبيل الوحيد لتخطي هذه المرحلة وبناء قدر أكبر من الحماية في مواجهة التحديات المستقبلية.
وبالنسبة لمصر، خفض الصندوق توقعاته للنمو إلى 4.2% بنهاية العام المالى الحالى، على أن يرتفع النمو إلى نسبة 4.8% العام المالى المقبل، بفعل الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الحكومة المصرية.
وفي هذا الشأن، قالت “جورجيفا”: "إن مصر أصبحت في وضع أفضل لمواجهة الصدمات الاقتصادية، بفضل تنفيذها حزمة من الإصلاحات الصعبة خلال السنوات الماضية. لا سيما حاليًا إذ تعاملت الحكومة مع التحديات الراهنة بمستوى عالٍ من المسئولية".
من جهته، قال جيسون وو، مساعد مدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد، إن مصر تعد مثالًا على أن الجمع بين زيادة مرونة سعر الصرف، وتشديد السياسة النقدية، وتحسين إدارة المالية العامة، يمكنهم تعزيز مرونة الاقتصاد.
وكان تقرير “الحرب في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والتحديات على مستوى السياسات” أوضح أن مصر سمحت لسعر الصرف بالتحرك باعتباره أداة رئيسية لامتصاص الصدمات الخارجية، إذ تراجع الجنيه المصري بنسبة تتراوح بين 13 و15% منذ 18 فبراير الماضي.
وحذر التقرير من مخاطر انتقال انخفاض قيمة العملة إلى معدلات التضخم، مما قد يستدعي تشديد السياسة النقدية لضبط الأسعار، مشيرًا إلى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة العالمي على زيادة الأعباء المالية على مصر، في ظل استمرار مستويات الدعم المرتفعة للوقود والكهرباء.
وحول وجود أي مناقشات بشأن زيادة برنامج مصر مع الصندوق، نفت “جورجيفا” ذلك لكنها أكدت أن البرنامج القائم يظل قابلًا للمراجعة إذا ما ساءت الأوضاع.
بدورها، لفتت إيرا دابلا-نوريس، نائبة مدير إدارة الشئون المالية بالصندوق في أثناء الاجتماعات، إلى مواجهة مصر تحديات مالية ملحوظة، في ظل استمرار ارتفاع الدين العام، إضافة إلى الاحتياجات التمويلية الكبيرة.
وأضافت أن الاقتصاد المصري يواجه حاليًا ارتفاعًا في تكاليف الوقود والواردات، إضافة إلى تشديد الأوضاع المالية العالمية، إلا أن التأثير الاقتصادي للحرب في الشرق الأوسط لا يزال محدودًا حتى الآن، بدعم من الإجراءات الحاسمة والمنسّقة التي اتخذتها الحكومة.
وقد عكست اجتماعات الربيع هذا العام تحولًا في طبيعة الاقتصاد العالمي نتيجة الأحداث التي يصعب التنبؤ بها أو التحكم في آثارها مثل الحرب في الشرق الأوسط، وجائحة كوفيد -19. ففي عام 2021، تحولت اجتماعات الربيع إلى النمط الافتراضي أو الهجين للحد من انتشار الفيروس.
وتجمع اجتماعات الربيع محافظي البنوك المركزية، ووزراء المالية والتنمية، والبرلمانيين، وممثلي منظمات المجتمع المدني، لمناقشة قضايا ذات اهتمام عالمي، بما في ذلك التوقعات الاقتصادية.