خواطر مواطن مهموم 338.. «كولبي» و«فانس» كانا على حق

وهو خبير يرى منذ سنوات أن المشهد العالمي يفرض تغييرا شاملا للتموضع الأمريكي، يسمح بالتركيز على التهديد الصيني

توفيق اكليمندوس

إلبريدج كولبي هو الرجل الثاني في وزارة الحرب الأمريكية، وهو خبير يرى منذ سنوات أن المشهد العالمي يفرض تغييرا شاملا للتموضع الأمريكي، يسمح بالتركيز على التهديد الصيني وعلى مسرح المحيطين الهندي والهادي، ويقلل من الوجود على المسارح الأخرى، وله – قبل توليه المنصب- عدة دراسات وكتب يدافع فيها عن توجهه.
ومن المعروف الآن أن صديقه نائب الرئيس جي دي فانس كان شديد الاعتراض على خيار شن الحرب ضد إيران، وأنه طالب بإلحاح بعد أن اتخذ قرار الحرب ألا تطول، وأن أحد الأسباب الرئيسة لاعتراضه هو «حال مخزون المعدات والذخائر»، وصعوبة بل استحالة إنتاج كميات تساوي وتعوض ما يُستهلك ويُستخدم في حرب طويلة.
ويبدو واضحا أن أحد أسباب قبول الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار وإعطاء المفاوضات فرصة هو معدلات استخدام أنظمة الصواريخ الهجومية والدفاعية، ويكفي أن نشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل استهلكتا في أقل من أربعين يومًا ما يتطلب إنتاجه – فيما يخص عدد من المنظومات- ثلاث أو أربع أو خمس سنوات.
أشار الرئيس التنفيذي لشركة «راينميتال» الألمانية، في 19 مارس إلى أن المخزونات العالمية «فارغة أو شبه فارغة» وأنه إذا استمرت الحرب شهراً آخر «فلن يكون لدينا أي صواريخ متاحة تقريباً».
لا يمكن تعويض ما استهلك بسهولة، حتى لو توفر المال والرغبة، المواد الأولية والمكونات الإلكترونية غير متوفرة بالقدر الكافي، وعدد كبير من المواد الأولية في يد الصين، ولا يمكن معالجة هذا إلا في حدود ضيقة، وهناك نقص في العمالة المدربة، وإضافة إلى هذا يتردد دائما القطاع الخاص في فتح مصانع جديدة وفي توسيع قوة العمل للتعامل مع ظرف قد لا يدوم، وأخيرا تقول أغلب التقديرات إن سد النقص سيحتاج لسنوات.
ويعني قرار شن الحرب على إيران أن الرئيس ترامب تصرف وكأنه يعتبر أن هذه الدولة تتصدر قائمة الأولويات والتهديدات لمصالح واشنطن، وهو تشخيص قد يكون مقبولا إن كانت إيران فعلا قاب قوسين أو أدنى من امتلاك السلاح النووي، ولكن مسؤولي الاستخبارات قالوا إن هذا غير حقيقي، وعلي فرض أن تقديرهم كان خاطئا، لا أرى لماذا لم يترك الأمر لإسرائيل، التفسير الوحيد هو الاعتبارات الشخصية – حاول النظام الإيراني اغتيال الرئيس الأمريكي بعد قيام إدارته الأولي باغتيال قاسم سليماني.
لا نعرف ما هي أهداف الحرب، هل هي إسقاط نظام الحكم في طهران أم إضعافه علي نحو يجبره علي الخضوع أو علي الأقل علي الاعتدال، وحاليا لم يتم تحقيق أي من هذه الأهداف، ولكن الوضع قد يتغير في المستقبل إن قامت ثورة شعبية ونجحت دون أن يتسبب هذا في تحول إيران إلي دولة فاشلة.
ما هو مؤكد أن هذه الحرب أضعفت الموقف الغربي في المحيطين الهادي والهندي على نحو مقلق للغاية، كان من المعروف قبل بدايتها أن السنوات الخمس القادمة هي الأكثر خطرا، لأسباب يطول شرحها هنا، وتم استنزاف المعدات والذخائر الأمريكية في توقيت غير موفق بالمرة، وتم استنزافها دون حسم للمعركة، والآن يفرض سؤال نفسه بإلحاح... هل ستلجأ الولايات المتحدة إلى النووي لحماية تايوان؟
وعلى عادتهم، بدأ الرئيس الأمريكي وأنصاره عملية البحث عن كبش فداء تنسب له الصعوبات الأمريكية، الكل وفقا لأهوائه، تتصدر قائمة المرشحين لهذا الدور الدول الأوروبية وإسرائيل. لا شك أن السيد نتنياهو هو صاحب فكرة الحرب، وأنه يلح عليها منذ ولاية الرئيس ترامب الأولى، وأن دوره في القرار الأمريكي سيؤثر بالسلب على العلاقات بين الدولتين. ولكن الحقيقة تبقى أن القرار كان رئاسيا خالصا لم يجبره أحد عليه. أما اتهام الدول الأوروبية فهو تهريج رخيص. لم يتم التشاور معها، وهي مشغولة في عدد من الجبهات، والرئيس اعتاد إهانتها يوميا، إلخ.
«كولبي» و«فانس» كانا على حق...
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية