شهدت الولايات المتحدة مساء أمس السبت، تنظيم احتجاجات واسعة تحت شعار “No Kings” في أكثر من 3,200 مدينة، في أكبر حركة احتجاجية شعبية منذ بداية ولاية الرئيس دونالد ترامب، تعبيرًا عن رفض السياسات الاقتصادية والسياسية للحكومة، بما في ذلك ملفات الهجرة وتكاليف المعيشة وما يُنظر إليه كـ«إدارة غير مستقرة» في بيئة اقتصادية متوترة، وفقا لرويترز.
وفقًا لتحليل حدث مماثل في يونيو 2025، فإن مثل هذه الاحتجاجات يمكن أن تؤثر على الأسواق من منظور نفسي واستثماري، لا سيما من خلال زيادة عدم اليقين والقلق في سلوك المستثمرين مما يدفع بعضهم إلى تقليل المخاطر في محافظهم الاستثمارية.
وفي الأسواق الأمريكية نفسها، تزامن هذا الجو الاحتجاجي مع أسبوع من التقلبات في أسواق الأسهم نتيجة مخاوف تتعلق بالتوتر في الشرق الأوسط وأثره على الاقتصاد العالمي، حيث سجلت مؤشرات مثل داو جونز وستاندرد آند بورز وناسداك تراجعًا متكررًا مع دخولها ما يُعرف بـ«منطقة التصحيح» بعد انخفاضات كبيرة من ذروات سابقة خلال مارس 2026، ردًا على تصاعد المخاطر الجيوسياسية وزيادة أسعار النفط.
من منظور السوق، عندما تتصاعد الأحداث السياسية المحتدمة داخليًا (كالاحتجاجات السياسية الكبرى) مع توترات جيوسياسية خارجية، فإن المستثمرين يجرون تحولات سريعة في محفظاتهم، غالبًا عبر تقليل تعرضهم للأسهم وزيادة التخصيص للأصول الدفاعية مثل النقد أو السندات الحكومية (رغم أن الأخيرة نفسها قد تواجه ضغطًا بسبب ارتفاع العائدات وسط توقعات تضخم أقوى).
أسعار النفط والدولار
في خضم هذه التقلبات، ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل حاد مع بقاء اضطراب الإمداد عبر مضيق هرمز، وهو محور رئيسي لتدفقات النفط والغاز، حيث تجاوزت أسعار خام برنت مستويات 110 دولارًا للبرميل في مارس 2026 وسط مخاوف من انخفاض الإمداد العالمي، ما يُشكل ضغطًا تصاعديًا على التضخم في الولايات المتحدة وحول العالم.
هذا الارتفاع في أسعار الطاقة لم يؤثر فقط على تكاليف النقل والإنتاج، بل عزز أيضًا مكانة الدولار الأمريكي كملاذ آمن، إذ يميل المستثمرون إلى زيادة التخصيص للدولار في فترات عدم اليقين، مما يعزز قيمته مقابل العملات الأخرى.
في ظل المخاطر الجيوسياسية والتضخم المتوقع المرتفع، استقر الدولار عند مستويات قوية مقابل عملات مثل اليورو والين، وهو ما يتماشى مع سلوك الأسواق في أوقات الأزمات.
التضخم في الولايات المتحدة نفسه ظل مرتفعًا، مدفوعًا جزئيًا بزيادة أسعار الطاقة وتقلبات سلاسل الإمداد. بعض التوقعات تشير إلى أن التضخم السنوي في 2026 قد يصل إلى نحو 4.2%، أعلى من مستواه في 2025، مما يزيد من الضغوط على الأسر والشركات على حد سواء ويضع بعبء إضافيًا على صانعي السياسات النقدية.
الأسواق المالية والاستثمار
بالنظر إلى ربط بين التوترات السياسية والاقتصادية والبيانات السوقية، يمكن استخلاص أن احتجاجات “No Kings”، على الرغم من أنها لم تكن السبب الوحيد لتحرك الأسواق، إلا أنها ساهمت في زيادة حساسية المستثمرين تجاه مخاطر سياسية داخلية في وقت تعيش فيه الأسواق تقلبات بسبب الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتصاعد أسعار الطاقة.
هذا التفاعل المزدوج يعزز حالة التذبذب في مؤشرات الأسهم، ويحفز بعض المستثمرين على التحوّل إلى أسواق السندات أو المعادن الثمينة أو الاحتفاظ بالنقد لتقليل المخاطر.
في الوقت نفسه، ارتفاع أسعار النفط ينعكس مباشرة على التضخم المستهلك في الولايات المتحدة، ما يدفع الشركات إلى رفع الأسعار أو تعديل توقعات النمو، مع تأثيرات خاصة على قطاعي النقل والطاقة.
إذا استمر هذا الاتجاه التصاعدي لأسعار السلع الأساسية، فإن الضغوط التضخمية قد تستوجب سياسات نقدية أكثر تشددًا من قبل الاحتياطي الفيدرالي، ما يزيد من تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستهلاك والاستثمار.
تُظهر التطورات الاقتصادية في الولايات المتحدة خلال مارس 2026 أن الاحتجاجات السياسية الكبيرة يمكن أن تشكل عاملًا إضافيًا في ارتفاع معدلات عدم اليقين في الأسواق المالية، خاصة عندما تتزامن مع تضخم مرتفع وأسعار نفط قياسية وتوترات جيوسياسية خارجية.
هذه البيئة تولّد تقلبات في الأسهم، قوة للدولار كملاذ آمن، وضغوط تضخمية متصاعدة، مما يستدعي مراقبة دقيقة من المستثمرين وصانعي السياسات على حد سواء، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسواق قد تظل حساسة لأية تطورات سياسية أو اقتصادية إضافية.