من اقرأ إلى معادلات القوة في زمن الاضطراب الإقليمي
حين نزلت أول آية في القرآن الكريم، لم يكن الخطاب موجهًا إلى قبيلة بعينها، ولا إلى طقس محدد، بل إلى الإنسان بما هو إنسان:
اقرأ باسم ربك الذي خلق
هذه البداية ليست مجرد أمر بالقراءة، بل إعلان أن المعرفة هي مدخل الاستخلاف. فالقرآن لم يؤسس أمة شعائر فحسب، بل أمة وعي. ولم يضع الإنسان في مواجهة الطبيعة، بل دعاه إلى فهمها.
وفي زمن تموج فيه المنطقة بصراعات معقدة بين قوى إقليمية كإيران وإسرائيل، وتدخلات دولية تقودها الولايات المتحدة، يتضح أن جوهر الصراع لم يعد عسكريًّا بحتًا، بل علميًّا في المقام الأول. فالدول التي تملك المعرفة تملك القرار.
العلم معيار التفاضل في القرآن
يضع القرآن العلم في قلب البناء القِيمي للأمة:
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
المعيار هنا ليس النسب ولا المال، بل الوعي. فالجهل ليس نقصًا معرفيًّا فحسب، بل خلل حضاري.
ويرفع القرآن مكانة العلم إلى مرتبة التكريم الإلهي:
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
الدرجة هنا ليست مجازًا، بل موقع في ميزان الحضارة. ومن اللافت أن الإيمان والعلم يُذكران معًا، وكأن النهضة لا تقوم بأحدهما دون الآخر.
وفي آية أخرى:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
الخَشية ليست خوفًا بدائيًّا، بل إدراك لعظمة النظام. فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد وعيًا بدقة الكون واتساقه.
القرآن يدعو إلى اكتشاف قوانين الكون
القرآن لا يحصر العلم في المعرفة الدينية، بل يدعو إلى التفكر في الطبيعة:
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
قل سيروا في الأرض فانظروا
هذه الآيات ليست دعوة تأمل وجداني فحسب، بل دعوة إلى البحث والاكتشاف. فالنظر هنا ليس رؤية سطحية، بل تحقيق علمي في سنن الوجود.
إن فهم قوانين الطبيعة جزء من فهم الإرادة الإلهية في الكون. ومن يتخلف عن هذا الفهم يتخلف عن دوره في الاستخلاف.
العلم كقوة في واقع الصراع
ما يجري، اليوم، في المنطقة يبرهن على أن التفوق العسكري ليس وليد الشجاعة وحدها، بل ثمرة سنوات من الاستثمار في البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدقيقة، والبرمجيات، والفيزياء المتقدمة.
سواء في برامج الطاقة النووية، أم أنظمة الدفاع الصاروخي، أم الطائرات المُسيّرة، فإن الصراع أصبح معركة عقول قبل أن يكون معركة سلاح.
الدول التي استثمرت في جامعاتها ومختبراتها أصبحت لاعبًا، والدول التي أهملت العلم أصبحت ساحة.
وهنا يظهر البعد القرآني بوضوح:
الأمة التي لا تقرأ، لا تقود.
العلم في الفكر الإسلامي الكلاسيكي
الفارابي رأى أن كمال الإنسان يتحقق بالعقل، وأن المعرفة انتقال من القوة إلى الفعل.
وابن رشد أكد أن النظر العقلي واجب شرعي، وأن الحقيقة واحدة لا تتناقض.
لم ير هؤلاء في العلم تهديدًا للإيمان، بل تجسيدًا له.
فالعلم كشفٌ للكيفية، والدين بيان للغاية.
حين ازدهرت الحضارة الإسلامية، لم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة انسجام بين النص والعقل.
الدرس المعاصر
العالم العربي اليوم يقف أمام مفترق طرق.
إما أن يظل مستهلكًا للتكنولوجيا التي يصنعها غيره،
أو أن يستعيد رسالته الأولى: اقرأ.
القرآن لا يكتفي بالدعوة إلى الإيمان، بل يربط بين الإيمان والعمل:
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم
والعمل في عصرنا يبدأ من المختبر، ومن قاعة البحث، ومن ورشة الابتكار.
العلم عهد ومسئولية
العلم في الإسلام ليس ترفًا ثقافيًّا، ولا مجرد مادة دراسية في كتاب مدرسي، بل عهد حضاري.
هو الطريق إلى الاستقلال، وإلى الكرامة، وإلى السيادة.
في زمن الاضطراب الإقليمي، لا يكفي أن نتابع الأخبار، بل يجب أن نعيد قراءة آيات العلم قراءة عملية.
فالأمة التي تفهم أن اقرأ ليست كلمة تاريخية، بل مشروع دائم،
هي الأمة القادرة على تحويل التحديات إلى فرص.
العلم ليس خيارًا، بل شرط بقاء.
وهكذا يصبح النص القرآني، في جوهره، دعوة مفتوحة لبناء مستقبل لا يخاف من المعرفة، بل يتسلح بها.
* الدكتور حاتم زغلول مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني
العلم في ميزان القرآن