رغم كل الإنجازات والنجاحات التي يحققها اللاعبون في ملاعب أوروبا، تبقى مشكلة العنصرية حاضرة بقوة، تظهر في لحظات فرح المباريات وأحيانًا في أسوأ صورها من المدرجات.
الحادثتان الأخيرتان اللتان تعرض لهما حنبعل المجبري مع بيرنلي أمام تشيلسي، ومن قبله فينيسيوس جونيور مع ريال مدريد في البرتغال عندما واجه بنفيكا بدوري الأبطال، تذكّرنا بأن هذه الظاهرة لم تختفِ بعد، بل لا تزال تهدد اللاعبين، خاصة الذين يمثلون ألوانًا عرقية مختلفة أو خلفيات ثقافية متنوعة.
حنبعل المجبري.. دعم بيرنلي وردود الأفعال
تعرض الدولي التونسي حنبعل المجبري، أمس السبت، لبعض الإساءات العنصرية عقب مباراة فريقه بيرنلي ضد تشيلسي، لحساب الجولة السابعة والعشرين من مسابقة الدوري الإنجليزي الممتاز، والتي أُقيمت على ملعب ستامفورد بريدج.
ونشر حنبعل المجبري عبر حسابه الرسمي على موقع إنستجرام رسالة لشخص يصفه بـ"القرد".
وعلّق التونسي قائلًا: "نحن في عام 2026 ولا يزال هناك أناس كهؤلاء.. من فضلك، ثقّف نفسك وأطفالك".
وهو ما دفع إدارة النادي إلى إصدار بيان رسمي يدعم اللاعب قال فيه: «بيرنلي يقف صفًا واحدًا ضد العنصرية بكل أشكالها، وسنضمن حماية اللاعبين داخل وخارج الملعب».
هذا الموقف لم يقتصر على الإدارة، بل امتد إلى اللاعبين والجماهير المحلية، الذين شاركوا رسائل تضامن قوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن كرة القدم يجب أن تبقى ملعبًا للمهارة واللعب النظيف وليس للتفرقة أو الإهانة.
حادث فينيسيوس جونيور في البرتغال
موقف آخر مشابه ولكن قبله بأيام حدث في البرتغال، حين تعرض البرازيلي فينيسيوس لتصرف عنصري من جماهير بنفيكا خلال مباراة الفريقين ضمن منافسات دوري أبطال أوروبا.
وتوقفت مباراة ذهاب الملحق المؤهل لدور الـ16 في دوري أبطال أوروبا لمدة 11 دقيقة بعد اتهام فينيسيوس لـ جيانلوكا بريستياني بتوجيه عبارة عنصرية له في أعقاب تسجيل البرازيلي هدف ريال مدريد بعد خمس دقائق من نهاية الاستراحة.
فعلى الرغم من أن فينيسيوس أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية، إلا أن العنصرية لم تتوقف عند حدود اللاعبين الأقل شهرة، ما يدل على أن الظاهرة لا تعرف مستوى أو قيمة.
هذه الوقائع تثير تساؤلات عن المسؤولية الجماعية للأندية، والدوريات، والاتحادات، والجماهير في الحد من مثل هذه الممارسات، وتبرز الحاجة الملحة لتطبيق سياسات أكثر صرامة.
ظاهرة شاملة في أوروبا
الأمثلة الأخيرة ليست منعزلة، بل تمثل جزءًا من سلسلة طويلة، فلاعبون عالميون مثل ماريو بالوتيلي، وروميلو لوكاكو، وبول بوجبا تعرضوا لهجمات عنصرية متعددة على مدار السنوات الماضية.
حتى في البطولات الكبرى مثل دوري أبطال أوروبا وكأس الأمم، لوحظت حالات من الهتافات العنصرية، ورش مواد مسيلة للدموع أو الكائنات البلاستيكية على اللاعبين ذوي البشرة الداكنة.
الإعلام والجماهير أحيانًا يساهمون بشكل غير مباشر في تعزيز هذه التصرفات من خلال التقليل من الحدث أو تبريره، والنتيجة تكمن في تعرض اللاعبين لضغط نفسي هائل، وقد يتأثر أداؤهم ومستواهم الفني، ما يضع فرقهم في موقف صعب.
تضارب تصريحات يثير الدهشة
الأمر المثير للانتباه أن بعض الشخصيات في عالم كرة القدم تتبدل مواقفها بحسب السياق والمصلحة. ففي موقف حديث، أعرب جوزيه مورينيو عن رأيه بأن احتفال فينيسيوس بعد هدفه كان “مستفزًا” وغير مناسب، مؤكّدًا أنه لم يكن يجب أن يحدث بهذه الطريقة.
المفارقة تكمن في أن نفس المدرب نفسه، الذي ينتقد اليوم تصرفات اللاعب البرازيلي، كان في الماضي رمزًا لمناهج التعبير الكروي المستفز، حيث لم يتردد في الركض بجانب خط التماس، أو ملاحقة الحكام حتى مواقف السيارات، بل وتوجيه كلمات حادة ونابية.
الواضح هنا أن المواقف تتغير حسب الظرف، المصلحة، أو حتى المزاج الشخصي، وأن ما يُعتبر مستفزًا في زمن ما قد يكون ممارسة طبيعية في زمن آخر. كرة القدم، كما يبدو، ليست فقط عن اللعبة، بل عن الأهواء والتحولات التي تحيط بها.
حلول عملية
شدد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" في أكثر من موقف بأنه يجب اتباع مجموعة من الإجراءات المتكاملة على المستويات المختلفة لمواجهة هذه الظاهرة تكمن في الآتي:
- عقوبات صارمة على الجماهير المخالفة: منع الحضور، غرامات مالية كبيرة، وحظر جماعي مؤقت أو دائم من الملاعب
- تطبيق تقنيات المراقبة الحديثة: كاميرات التعرف على الوجوه، ومراقبة سلوك الجمهور، وربط البيانات بالعقوبات
- التوعية المستمرة: حملات إعلامية وثقافية لتعزيز قيم الاحترام والتنوع، بداية من المدارس والأندية الصغيرة وصولًا إلى الكبار
- دعم اللاعبين نفسيًا: توفير مستشارين نفسيين ودعم جماهيري عبر الأندية لمنع تأثير الهجمات العنصرية على الأداء
- تحالف اتحادات الدوريات الأوروبية: تبادل البيانات والخبرة، وإنشاء قاعدة معلومات عن الممارسات العنصرية وفرض عقوبات موحدة
قصتا حنبعل المجبري وفينيسيوس تؤكدان أن العنصرية في الملاعب الأوروبية ظاهرة لا تزال حاضرة مهما بلغ اللاعب من شهرة أو مستوى.
لكن الإيجابي في المشهد، هو تزايد التضامن بين اللاعبين والأندية والجماهير، وإدراك الجميع أن الحل ليس فرديًا بل جماعيًا، وأن كرة القدم يجب أن تظل ملعبًا للمهارة والاحترام، بعيدًا عن أي لون أو خلفية أو أصل.
في النهاية، هذه المعركة أكبر من مباراة واحدة أو لاعب واحد؛ إنها معركة للحفاظ على قيم الرياضة والإنسانية معًا، وإظهار أن الملاعب الأوروبية قادرة على التعلم والتطور، إذا تحركت المنظومة بالكامل بوعي ومسؤولية.