دخلت ليبيا مسارًا جديدًا في إدارة سوق الوقود لديها بعد أن منحت شركات تجارية نفطية غربية كبرى حقوق توريد البنزين والديزل، ما يُعد تراجعاً مهماً في دخول الوقود الروسي إلى البلاد، ويعكس تغيّرًا إستراتيجياً في سياسات الاستيراد والتجارة في قطاع الطاقة، في ظل مساعي البلاد لإصلاح منظومتها النفطية وجذب استثمارات واسعة في ظل إعادة هيكلة القطاع بعد سنوات من الصراعات الداخلية.
منح حقوق التوريد ودور اللاعبين الغربيين
أفادت مصادر تجارية بأن ليبيا منحت حقوق توريد شحنات البنزين والديزل لشركات كبرى مثل Vitol وTrafigura وTotalEnergies، وذلك في عدة مناقصات تمت في الأسابيع الماضية لم يتم الإعلان عنها سابقاً، ما يدل على رغبة طرابلس في تنويع مصادر الوقود وتقليل اعتمادية السوق المحلية على مورّد واحد أو مصدر تقليدي واحد.
وتضمن هذا الإجراء منح Vitol حقوق توريد ما بين خمسة إلى عشرة شحنات بنزين شهرياً بالإضافة إلى كميات من الديزل، في حين حصلت كل من Trafigura وTotalEnergies أيضاً على حقوق التوريد، وفقاً للمتعاملين المطلعين على نتائج المناقصات.
هذا التوجّه يعيد رسم خريطة سلاسل إمداد الوقود في ليبيا، ويربطها بشكل مباشر بمصافي أوروبية المتوسط بدلاً من الاعتماد السابق على الوقود الروسي بمستويات بارزة في السنوات الماضية، ما يعكس تراجعاً حاداً في تدفقات المنتجات الروسية إلى السوق الليبية.
الانخفاض الكبير في واردات الوقود الروسي
تشير بيانات تحليلية إلى أن واردات الوقود الروسي إلى ليبيا تراجعت بشكل كبير خلال 2026، إذ وصلت إلى حوالي 5 آلاف برميل يومياً مقارنة بما يقرب من 56 ألف برميل يومياً خلال 2024–2025، عندما كانت روسيا المورد المهيمن على الوقود في البلاد.
ويأتي هذا الانخفاض في ظل تغييرات جوهرية في تفضيلات الشراء الليبية وفتح أسواق توريد الوقود أمام موردين غربيين يستفيدون من قربهم الجغرافي وقدرات مصافيهم في البحر المتوسط.
ومع تصدر إيطاليا كأكبر مورد للوقود إلى ليبيا هذا العام بمعدلات تقارب 59 ألف برميل يومياً، تأتي هذه التحولات في سياق إعادة هيكلة حقيقية في سلاسل توريد الطاقة المحلية، بينما يستفيد الموردون الأوروبيون من الروابط اللوجستية الأقرب والتكاليف التنافسية.
إلى جانب تحولات سوق الوقود، تعمل ليبيا على مراجعة طريقة تعاملها مع صادرات النفط الخام، وذلك من خلال توسيع حقوق التصدير لتشمل شركات غربية كبرى وتقليص الاعتماد على التجار الصغار، مما يعكس رغبة السلطات في تحسين عائدات التصدير وتعزيز الشفافية التشغيلية.
وقد أدت هذه التغييرات إلى انخفاض كبير في كميات الخام التي كانت تتولى شركة BGN السويسرية تصديرها سابقاً، بينما استطاعت شركة Transmed Trading التجارية الصعود مجدداً عبر الاستحواذ على عدة شحنات نفط خلال يناير الماضي.
هذا التوجه يتكامل مع اتفاق نفطي طويل الأمد بين ليبيا وTotalEnergies وConocoPhillips بقيمة تزيد عن 20 مليار دولار على مدى 25 عاماً، ويُظهر محاولة ليبيا إعادة تصميم شراكاتها في قطاع الطاقة لتكون أكثر جذباً للاستثمار الأجنبي وتعزيز دور الشركات متعددة الجنسيات في تطوير البنية التحتية النفطية.
تأتي هذه التحولات في وقت تسعى فيه ليبيا إلى إصلاح بنية قطاع الطاقة بعد سنوات من الاضطراب السياسي والعسكري التي أعاقت تطوير هذا المورد الحيوي واستقرار إيراداته.
ويمثل انخفاض الاعتماد على الوقود الروسي دليلاً على رغبة السلطات في تنويع مصادر التوريد وتحسين شروط العقود التجارية الدولية، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات في البنى التحتية للتكرير، مما يجعلها تعتمد بشكل كبير على واردات المنتجات المكررة لتلبية الطلب المحلي.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تحمل أبعاداً جيوسياسية وإستراتيجية تعكس رغبة ليبيا في إعادة ترتيب علاقاتها التجارية مع الغرب، وتخفيف الاعتماد على مصادر تقليدية كانت قد ارتبطت بها لسنوات طويلة.
في ظل هذه المتغيرات، تستمر ليبيا في جذب اهتمام اللاعبين الكبار في سوق الطاقة العالمية، بينما يحاول المعنيون تحقيق توازن بين تلبية الطلب المحلي، تعزيز الإيرادات، وجذب الاستثمار الأجنبي في صناعة النفط.