التكنولوجيا الذكية وحماية الدواء: كيف تعزز المنظومات الرقمية سمعة مصر الاقتصادية؟

حاتم زغلول

لم يعد الغش التجاري في قطاع الأدوية مسألة هامشية أو مخالفة يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية، بل بات تحديًا مباشرًا يمسّ الأمن الصحي والاقتصادي للدول على حد سواء.
ففي عالمٍ تتشابك فيه سلاسل التوريد، وتنتقل فيه السلع عبر القارات خلال أيام، أصبحت قدرة الدولة على تتبع منتجاتها وضمان أصالتها معيارًا أساسيًّا لثقة الأسواق.
ووفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن ما يقرب من %10 من الأدوية المتداولة عالميًّا إما مغشوشة أو دون المواصفات، وترتفع هذه النسبة في بعض الأسواق النامية إلى ما بين 20 و%30 وهو ما ينعكس سلبًا ليس فقط على صحة المرضى، بل على صورة الدول المنتجة والمصدّرة.
الغش الدوائي كتهديد اقتصادي
لا تُقاس الخسائر الناتجة عن الغش الدوائي بحجم المبيعات الضائعة فحسب، بل بما يترتب عليها من تآكل في الثقة.
وتشير تقارير دولية إلى أن سوق الأدوية المغشوشة يُقدَّر حجمها بأكثر من 200 مليار دولار سنويًّا، ما يجعله من أخطر الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة على مستوى العالم.
الدولة التي تعجز عن ضبط هذا الملف تُصنَّف ضمنيًّا باعتبارها سوقًا عالية المخاطر، وهو ما يؤدي إلى:
تشديد إجراءات الاستيراد على منتجاتها
ارتفاع تكاليف التأمين على صادراتها
تراجع ثقة المستثمرين في قطاعها الصناعي
ومن ثم، تصبح حماية الدواء جزءًا لا يتجزأ من حماية الاقتصاد الوطني.
من الرقابة التقليدية إلى المنظومات الذكية
اعتمد كثير من الدول، لعقودٍ، على أدوات رقابية تقليدية، مثل الأختام أو أرقام التشغيل الثابتة أو الملصقات التعريفية، إلا أن التطور المتسارع في تقنيات التزوير جعل هذه الوسائل غير كافية.
في المقابل، اتجهت دول مثل ألمانيا وسويسرا وكوريا الجنوبية إلى تطبيق منظومات التكويد الرقمي المتغير، حيث تحصل كل عبوة دواء على هوية رقمية فريدة يمكن تتبعها عبر مختلف مراحل التداول.
وقد أسهمت التجربة الأوروبية، من خلال منظومة Falsified Medicines Directive (FMD)، في خفض تداول الأدوية المغشوشة في بعض الدول بنسبة تجاوزت %60 خلال خمس سنوات.
التكويد الذكي: من المصنع إلى المستهلك
لا تقتصر المنظومات الحديثة على وضع كود ثابت، بل تعتمد على تكويد ديناميكي متغير تتغير بصمته الرقمية دوريًّا، على نحو يشبه بصمة الإصبع.
ويتيح هذا النظام:
التحقق من أصالة العبوة في أي مرحلة
معرفة تاريخ ووقت الإنتاج
تتبُّع خط الإنتاج والعامل المسئول
رصد أي محاولة تلاعب أو تكرار غير مشروع
وبذلك تتحول كل عبوة دواء إلى وحدة معلومات رقمية يصعب تزويرها.
لماذا تمثل هذه المنظومات فرصة لمصر؟
تمتلك مصر واحدة من أكبر القواعد الصناعية الدوائية في المنطقة، وتغطي منتجاتها أسواقًا تمتد من الشرق الأوسط إلى أفريقيا.
غير أن المنافسة في هذه الأسواق لم تعد قائمة على السعر أو الطاقة الإنتاجية وحدهما، بل باتت ترتكز على مستوى الحوكمة والرقابة.
إن تبنّي منظومات رقمية ذكية لحماية الدواء يضع مصر في موقع متقدم إقليميًّا، ويمنحها ميزة تنافسية تتجاوز حدود السوق المحلية.
وتعاني كثير من الدول الأفريقية، على سبيل المثال، نسبًا مرتفعة من الغش الدوائي تصل في بعض الأسواق إلى %30 من إجمالي المعروض، ما يجعل أي دولة قادرة على تقديم نموذج ناجح في التتبع والحماية مؤهلة لتصدير هذا النموذج، لا منتجاتها فقط.
السمعة الاقتصادية كعائد غير مباشر
لا يقتصر العائد من الاستثمار في هذه المنظومات على الجانب التقني، بل يمتد ليشمل السمعة الاقتصادية للدولة.
فوفقًا لتقارير البنك الدولي، يؤدي تحسّن مؤشرات الشفافية والرقابة في القطاعات الحيوية إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي بنسبة تتراوح بين 5 و%10 على المدى المتوسط.
كما أن الدول التي تمتلك نُظم تتبع متقدمة تُصنَّف ضمن الأسواق منخفضة المخاطر، ما يسهل نفاذ منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية دون أعباء تنظيمية إضافية.
من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها
تكمن الأهمية الإستراتيجية لهذه المنظومات ليس فقط في استخدامها، بل في تطويرها محليًّا.
فحين تُبنى الحلول التقنية داخل الدولة، فإنها:
تخلق معرفة تقنية وطنية
توفر فرص عمل عالية المهارة
تفتح مجالًا لتصدير البرمجيات والحلول، لا السلع وحدها
وبذلك تنتقل الدولة من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمصدر لها.
نموذج قابل للتوسع الإقليمي
تتميّز هذه المنظومات بكونها لا تتطلب بنية تحتية معقدة أو استثمارات ضخمة مقارنة بعوائدها.
إذ إن تكلفة تطبيق نظام رقمي متكامل للتكويد والتتبع قد تعادل جزءًا محدودًا من الخسائر السنوية الناتجة عن الغش التجاري.
وهو ما يجعل النموذج المصري، حال تطبيقه بكفاءة، قابلًا للتكرار في أسواق أفريقية وآسيوية تبحث عن حلول عملية لحماية قطاعاتها الدوائية.
وفى النهاية، لا يسَعنى إلا أن أقول إنه لم تعد التكنولوجيا الذكية ترفًا تنظيميًّا، بل أصبحت أداة إستراتيجية لحماية الصحة العامة وتعزيز المكانة الاقتصادية للدول.
وتُمثل هذه المشروعات، حين تنطلق من مصر، فرصة حقيقية لإعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد الرقمي: من دولة تسعى إلى حماية أسواقها، إلى دولة تصدّر نموذجًا متكاملًا للحماية والحوكمة.
وفي عالمٍ تتحدد فيه الثقة بالأنظمة والبيانات، لا بالشعارات، يصبح الاستثمار في منظومات حماية الدواء استثمارًا في اسم الدولة قبل أي شيء آخر.
دكتور حاتم زغلول، مخترع تكنولوجيا الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا لمعلومات والأمن السيبرانى
* مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات