لا أحد يعلم على وجه التحديد كيف يفكر الرئيس ترامب، ما هو معروف أن لجوءه إلى خبرات جماعات السياسة الخارجية أقل بكثير من لجوء أسلافه، وأن تأثير روبيو عليه أقل من تأثير مستشاري الأمن القومي ووزراء الخارجية السابقين على رؤسائهم.. باستثناء ما يتعلق بأمريكا اللاتينية.
هناك اتجاهان في تحليل منطق الرئيس، اتجاه يراه محكوما بعقد نفسية دفينة، مندفعا أهوج يهتم فقط بالصدى الإعلامي لما يفعله، وبإشباع حبه في تجميع المال ورغبته في الحصول على جائزة نوبل، وفي إذلال من لا يحبهم وفي الانتقام من خصومه، ومغلبا الاعتبارات الشخصية والأيديولوجية،وهناك اتجاه يراه صاحب منطق إستراتيجي وتكتيك يحكمان أفعاله، ويقول إنه لا يمكن تسفيه المنطق الإستراتيجيلأنه يملك حجتين إحداهما قوية، وهي أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع أن تشن حربين كبيرتين في آن واحد وتنتصر فيهما، صحيح أن الثانية أضعف، وهي أن النظام العالمي الذي أسسته الولايات المتحدة لم يعد مفيدا لها. أما التكتيك فهو الجمع بين التقلب الدائم، وممارسة أعنف الضغوط لترهيب الفرقاء.
ومن الواضح أن المحللين أخطأوا عندما قالوا إنه لا يحب اللجوء إلى العمل المسلح، هو لا يحب “الحروب التي لا تنتهي” أو التي تستغرق عدة أشهر ويفضل الضربات السريعة المباغتة القوية.
أميل إلى الجمع بين الاتجاهين السالف ذكرهما، أراه إما جامعا بينهما وإما متراوحا بين تحرك فيه تفكر وتخطيط، وتحرك مندفع حكمته فطرته، وهي غير سوية.. لا يعني كلامي هذا أن تحركه العقلاني دائما على حق وتحركه العصبي الفطري دائما على خطأ. شخصيا أرى أن إستراتيجيته العامة خاطئة وخطرة، وقولي هذا لا يعني أنني من مؤيدي سياسات أسلافه.
تساهم الوثائق الإستراتيجيةالتي صدرت في الأسابيع الماضية في توضيح الأمور – مع بعض الاستثناءات.. أهمها في منطقتنا، الوثائق تقول ما يفيد بأن أهمية المنطقة تراجعت فيما يخص المصالح الأمريكية، فأمريكا لم تعد تحتاج إلى البترول والغاز “الشرق أوسطيين”. وخطر الإرهاب تراجع مع سقوط “داعش”، ورغم هذا نرى على أرض الواقع زيادة كبيرة في الوجود العسكري الأمريكي، قد يعود هذا إلى حاجته إلى تطمين عدد من الدول وإلى رأسمالها المالي والعلمي والبشري، أو إلى رغبته في تهديد مصادر الطاقة الصينية.
التصور العام الحاكم لسياسته بين منطقين.. أولهما أنه يتعين على الولايات المتحدة تحسين العلاقات مع كل من روسيا والصين، للتقليل من احتمالات مواجهة عسكرية مدمرة، وممارسة سياسة العصا والجزرة تجاههما، أي الجمع بين ممارسة الضغوط الاقتصادية وتقديم محفزات اقتصادية أيضا، كما أنه يريد تقليل التزاماته العسكرية في أوروبا أساسا وربما في منطقة شرق أسيا، وتوكيل مهام الدفاع عنها وتوفير الأمن فيها إلى الحلفاء، مع تقديم وعد بالدعم وربما بالتدخل إن لزم الأمر، والمنطق هو.. إجبار الحلفاء على تطوير أداء جيوشهم وحثهم على شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية، ولا يكتفي بهذا بل يفرض عليهم حربا تجارية.
ثانيهما منطق هويَّاتي أيديولوجي، هو يكره المنظومة الليبراليةبرمتها، يكره سياسات التعددية الثقافية، والسياسات الداخلية القائمة على تحالف الأقليات، ويكره المنظمات الدولية والعمل الدولي متعدد الأطراف، وسياسات فرض وتحبيذ التحول الديمقراطيويكره الاتحاد الأوروبي. ولذلك نراه – هو ونائبه - مشجعا بقوة الأحزاب اليمينية الأوروبية التي تتحدث عن السيادة الوطنية وعن الهوية التي يهددها المهاجرون – قصده المسلمون- والتي تشاركه العداء للسياسات الليبرالية وللاتحاد الأوروبي.
هل يمكن الجمع بين هذين المنطقين؟ وهل يفسران كل خطواته؟ هناك مثال واضح على موقف لا يمكن تفسيره بأي منطق إستراتيجي، وهو موقفه من الهند. ويجب التشديد علي الآثار السلبية الكارثية لإدمان هذا الرئيس للتطاول ولغة التهديد. والمشكلة الرئيسية في منطقه أنه يتجاهل حقيقة أزلية، وهي أن من يرِد أن يعاديك لا يحتاج إلى موافقتك على هذا..
يتبع..
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية