خواطر مواطن مهموم 326.. ناصر والناصرية المعاصرة

أحب جمال عبد الناصر الإنسان الوطني المكافح من أجل الوطن واستقلاله وسيادته وعاملًا للشعب

توفيق اكليمندوس

سؤالٌ خطر علي بالي يوم ميلاد جمال عبد الناصر... هل يمكن القول إن هناك فارقًا جوهريًّا بين الرئيس الراحل ومريديه، هو كان ينظر للمستقبل وهم ينظرون إلى الماضي؟

ثم قلت لنفسي إن هذا “الاتهام” مُبالغ فيه، واختبرتُ مقولة أخرى... هل يمكن القول إن موقف عبد الناصر من الماضي- من ماضي مصر القريب- موقف عدائي رافض، بينما موقف الناصريين يميز بين ماض مجيد؛ عصر عبد الناصر، وآخر بغيض؛ المراحل الأخرى؟

وبسرعةٍ قمت بتعديل هذه المقولة. الكثيرون يتحدثون عن “دولة يوليو” التي أقامها ناصر وما زالت موجودة مؤثرة وقوية، وهذا المصطلح، شأنه شأن غيره، كاشف لأمور وثوابت وحاجب لغيرها، والكثير منه جوهري.

وعلى العموم يمكن القول إن هناك ناصريتين... ناصرية الدولة وناصرية تريد أن تكون ممثلة للشارع، وتنجح أحيانًا وتفشل أحيانًا أخرى.

وجود ناصريتين دليل على شمول مشروع عبد الناصر وتعقيداته وتناقضاته الداخلية، ووجود تناقضات لا يكون في حد ذاته عاملًا سلبيًّا وعوارًا، قد يكون محركًا محفزًا، وقد يكون دليلًا على محاولة المشروع التعامل مع كل جوانب الواقع المتعددة والمتناقضة، وفي المقابل قد يتسبب في إضعاف التجربة وإصابتها في مقتل.

ويلاحظ أن مكونًا مهمًّا من المشروع الناصري تراجع عند الجميع وهو الحرص على إحداث نهضة ثقافية شاملة.

ناصر جمع بين البطولة والعمل اليومي، وبين الشعارات النبيلة والفكر الإستراتيجي الراقي الساعي لترجمتها إلى واقع، ويجب ألا تُنسينا إدارته الكارثية لأزمة 67 عمق فكره ومهاراته. لستُ من أنصار إعفائه من المسئولية في الهزيمة، وأستغرب ممن يجمع بين القول بأنها كانت حتمية لا يدَ له فيها والإصرار على أن المشروع الناصري قابل للحياة، وممن يحاول إلقاء المسئولية كلها على عبد الحكيم عامر. على من يريد التمسك بالمشروع الناصري إجراء تقييم أمين لمسئولية ناصر. وأريد أن أشدّد هنا على عدة نقاط، لا أقول إن هناك تقييمًا موضوعيًّا واحدًا دون غيره، ولا أن أي تقييم أمين سيؤدي حتمًا إلى إدانته إدانة كاملة دون ظروف قوية مخففة... نستطيع مثلًا القول إن أفعال الفُرقاء الآخرين - عربًا وإسرائيليين - فرضوا عليه توقيت الأزمة السيئ، وأنه لم يكن يستطيع الوقوف بعيدًا دون تأثيرات بالغة السلبية على مصداقية مصر. هذا القول ليس قولي، لكنني لن أستبعده وهو يستحق مناقشة جادة.

سؤال آخر... يمكن القول بأن كلًّا من الدولة والتيارات الناصرية التي تخاطب الشارع عجز ويعجز عن الجمع بين كل مكونات المشروع الناصري في برنامج عمل واحد. على سبيل المثال لا الحصر، لا الدولة نجحت في تقليل الفوارق بين الطبقات، ولا التيارات الناصرية نجحت في اقتراح برنامج عمل يتمتع بمصداقية.

لا يمكن التقليل من إنجازات عبد الناصر، ولا يمكن إنكار أنه لم يحقق كل أهدافه، وهنا نثير أسئلة... هل يعود هذا إلى استحالة تحقيقها؟ إما لأنها غير ممكنة على الإطلاق أم لأن الجمع بينها وبين أهداف أخرى تحققت فعلًا مستحيل؟ وهل ما زال تحقيق ما لم يتحقق مطلوبًا في ظل التغير الكامل بالمشهد الدولي وفي حال المعارف والعلوم والتكنولوجيات المتاحة وبنية الأنظمة الاقتصاديةالمصرية والإقليمية والعالمية؟وإن كان مطلوبًا فهل هو أولوية؟ وإن كان مطلوبًا وأولوية فهل يقتضي تحقيقها الاحتفاظ بالأدوات التي وفّرتها الناصرية مع تطويرها، أم يفرض هذا ابتداع أدوات وأساليب عمل جديدة- سلطوية أم لا؟

أحب جمال عبد الناصر الإنسان الوطني المكافح من أجل الوطن واستقلاله وسيادته وعاملًا للشعب، القادر على القيام بمراجعات تعمق التجربة، أؤمن بتوجه عروبي بشرط ألا تحاول أي دولة عربية فرض توجهاتها على غيرها وألا تستسهل إدانة خيارات غيرها. ما زلت آملًا في مجتمعٍ أكثر عدالة يحقق هذا دون إعاقة المتميزين من أبنائه، ميسورين كانوا أم محتاجين. وأخيرًا أقول... لا تنسوا أهمية الحرية الفردية.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية