يتجه تحالف أوبك+ إلى الإبقاء على مستويات إنتاج النفط دون تغيير خلال اجتماعه المرتقب، في خطوة تعكس إدراكًا دقيقًا لحساسية المرحلة التي تمر بها سوق الطاقة العالمية، في ظل تراجع الأسعار، وتزايد المخاوف من فائض المعروض، وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية داخل بعض الدول المنتجة، فضلاً عن الخلافات السياسية غير المسبوقة بين بعض أركان التحالف نفسه، وفقا لتقرير نشرته وكالة رويترز.
ويأتي الاجتماع في وقت يشهد فيه سوق النفط واحدة من أكثر فتراته تعقيدًا منذ جائحة كورونا، بعدما فقدت الأسعار أكثر من 18% من قيمتها خلال 2025، في أكبر هبوط سنوي منذ 2020. وهو ما فرض على المنتجين إعادة حساباتهم بدقة، خاصة مع ضعف نمو الطلب العالمي، وارتفاع الإنتاج من خارج التحالف، واستمرار الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى.
أوبك+ تواجه اختبارات صعبة مع توتر العلاقات بين السعودية والإمارات
ويمثل الاجتماع الحالي تجمعًا لثمانية من كبار منتجي النفط داخل أوبك+، وهم السعودية وروسيا والإمارات وكازاخستان والكويت والعراق والجزائر وسلطنة عمان، وهي الدول التي تضخ مجتمعة نحو نصف إمدادات النفط العالمية، ما يجعل قراراتها ذات تأثير مباشر وحاسم على اتجاهات السوق والأسعار.
وخلال الفترة من أبريل وحتى ديسمبر 2025، نفذت هذه الدول زيادات تدريجية في الإنتاج بلغت نحو 2.9 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 3% من الطلب العالمي، في محاولة لموازنة السوق بعد سنوات من القيود الصارمة على الإنتاج. غير أن هذه الزيادات تزامنت مع تباطؤ اقتصادي عالمي، خاصة في الصين وأوروبا، ما أدى إلى تصاعد المخاوف من فائض المعروض وتأثيره على الأسعار.
وفي نوفمبر الماضي، اتفقت دول أوبك+ على تعليق أي زيادات جديدة في الإنتاج خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، وهو القرار الذي يُرجح أن يتم تمديده دون تعديل، وفق مصادر داخل التحالف، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تعافي قوي ومستدام للطلب العالمي على النفط.
الضغوط التي تواجه أوبك+ لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد. فروسيا، أحد أكبر المنتجين داخل التحالف، تواجه قيودًا متزايدة على صادراتها النفطية نتيجة العقوبات الأمريكية والأوروبية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وهو ما حد من قدرتها على المناورة داخل السوق العالمية، رغم استمرار تدفق نفطها إلى آسيا بخصومات كبيرة.
في المقابل، تعيش إيران حالة من عدم الاستقرار الداخلي مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب تهديدات أمريكية متكررة بالتدخل، ما يزيد من حالة عدم اليقين حول مستقبل صادراتها النفطية، ويضع أوبك+ أمام معادلة معقدة بين السياسة والإنتاج.
التطور الأبرز جاء من فنزويلا، بعدما أعلنت الولايات المتحدة القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، في خطوة وُصفت بأنها أخطر تدخل أمريكي مباشر في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن ستتولى إدارة شؤون البلاد مؤقتًا إلى حين تهيئة الظروف لانتقال سياسي، دون تقديم تفاصيل واضحة حول الآليات أو الإطار الزمني.
وتحمل فنزويلا أهمية خاصة داخل سوق النفط العالمية، إذ تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تتجاوز حتى احتياطيات السعودية، إلا أن إنتاجها الحالي لا يعكس هذه الثروة الهائلة، بعدما انهار القطاع النفطي نتيجة سنوات طويلة من سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات، والعقوبات الدولية.
ويرى محللون أن أي تحول سياسي في فنزويلا، حتى لو أدى إلى رفع العقوبات وعودة الشركات النفطية العالمية، لن يترجم سريعًا إلى زيادة ملموسة في الإنتاج، إذ تحتاج البنية التحتية النفطية إلى استثمارات بمليارات الدولارات، وإلى سنوات من العمل لإعادة تأهيل الحقول والمصافي وشبكات التصدير.
إلى جانب ذلك، يواجه تحالف أوبك+ تحديًا داخليًا يتمثل في تصاعد التوترات السياسية بين السعودية والإمارات، وهما من أعمدة التحالف، على خلفية تطورات الصراع في اليمن، بعدما سيطرت جماعة مدعومة من أبوظبي على مناطق كانت خاضعة للحكومة المدعومة من الرياض.
هذا التوتر، الذي وُصف بأنه الأكبر بين البلدين منذ عقود، أعاد إلى الواجهة الخلافات المتراكمة بين الطرفين بشأن ملفات إقليمية واقتصادية، من بينها سياسات الإنتاج النفطي، والحصص داخل أوبك+، ورؤى كل طرف لدوره الإقليمي والدولي.
ورغم هذه الانقسامات، يشير مراقبون إلى أن أوبك+ يتمتع بتاريخ طويل في تجاوز الخلافات السياسية، حيث نجح التحالف في الحفاظ على تماسكه خلال فترات بالغة الحساسية، من بينها الحرب العراقية الإيرانية، والأزمات السياسية في ليبيا، والانقسامات الحادة داخل المنظمة نفسها.
ويؤكد محللون أن منطق السوق غالبًا ما يفرض نفسه داخل أوبك+، إذ يدرك المنتجون أن أي انقسام حاد قد يؤدي إلى حرب أسعار جديدة، وهو السيناريو الذي يسعى الجميع لتجنبه، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الهشة.
من ناحية أخرى، تواجه أوبك+ منافسة متزايدة من المنتجين خارج التحالف، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي واصلت تسجيل مستويات قياسية في إنتاج النفط الصخري، مستفيدة من التقدم التكنولوجي وارتفاع الكفاءة، رغم تقلبات الأسعار.
هذا الواقع يقلص من قدرة أوبك+ على التحكم الكامل في السوق، ويجعل قرارات التثبيت أو الخفض أكثر تعقيدًا، خاصة مع تراجع تأثير التخفيضات الطوعية مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن خيار تثبيت الإنتاج هو الأكثر عقلانية في المرحلة الحالية، إذ يمنح السوق فرصة لامتصاص الفوائض، ويتيح للتحالف مراقبة تطورات الطلب العالمي، دون المخاطرة بإغراق السوق أو التسبب في صدمات سعرية مفاجئة.
ويرجح خبراء أن تواصل أوبك+ خلال النصف الأول من العام سياسة الانتظار والترقب، مع استعداد لإجراء تعديلات سريعة إذا ما طرأت تغيرات جوهرية، سواء على مستوى الطلب العالمي أو على صعيد الأوضاع الجيوسياسية.
وبينما تظل أسعار النفط عرضة للتقلبات، فإن قرار أوبك+ المرتقب يعكس محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين حماية الإيرادات النفطية للدول الأعضاء، ومنع تدهور الأسعار، والحفاظ على استقرار السوق العالمية في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ صناعة الطاقة.