دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال العمليات العسكرية من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب منشآت البنية التحتية الحيوية، في تطور ينذر بتداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الصراع، ويهدد استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط في العالم.
ووفقًا لما نقلته وكالة «رويترز»، شنت إيران، اليوم السبت، هجمات جديدة على أهداف في دول خليجية حليفة للولايات المتحدة، وذلك عقب الليلة السابعة المتتالية من الضربات الأمريكية على مواقع عسكرية داخل إيران، بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يصمد سوى أيام.
منشآت حيوية تحت القصف
أعلنت الكويت تعرض محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه لهجوم، كما توقفت العمليات مؤقتًا في مطار الكويت الدولي نتيجة التهديدات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة. وفي المقابل، أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار عملياتها الجوية ضد مواقع للمراقبة العسكرية، ومنشآت لوجستية، ومستودعات أسلحة تحت الأرض، وقدرات بحرية إيرانية.
كما أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف مركز الدعم العسكري الأمريكي في معسكر عريفجان ومنشأة رادار في قاعدة علي السالم الجوية بالكويت، بينما أفادت وسائل إعلام إيرانية باستهداف مواقع عسكرية أمريكية في البحرين، وهي تقارير لم تتمكن «رويترز» من التحقق منها بشكل مستقل.
البنية التحتية
يمثل استهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، إذ أصبحت البنية التحتية الاقتصادية جزءًا مباشرًا من العمليات العسكرية، وهو ما يرفع كلفة المواجهة على جميع الأطراف، ويهدد الخدمات الأساسية في المنطقة.
وفي الداخل الإيراني، أفادت وسائل إعلام رسمية بأن الضربات الأمريكية أصابت منشآت للكهرباء وتحلية المياه في مدينة جاسك بمحافظة هرمزجان، ما أدى إلى انقطاع المياه عن نحو عشرة آلاف شخص في عشرين قرية، إضافة إلى أضرار طالت جسورًا وأنفاقًا وطرقًا رئيسية، فيما كانت غارات سابقة قد استهدفت محطات نقل ومطارًا في جنوب البلاد.
مضيق هرمز
تتزامن هذه التطورات مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، حيث تواصل الولايات المتحدة فرض حصار بحري على إيران، بينما أعلنت طهران استهداف السفن التي تعتبرها مخالفة لقواعد الملاحة التي فرضتها داخل المضيق.
ويثير استمرار التوتر في هذا الممر البحري الحيوي مخاوف متزايدة من اضطراب حركة ناقلات النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
أسواق النفط
استجابت الأسواق سريعًا للتصعيد، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 4% لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من شهر، مع زيادة ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى أسعار الخام تحسبًا لاحتمال تعطل الإمدادات.
ويرى محللون أن استمرار المواجهة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل البحري والتأمين على الناقلات، وهو ما سيرفع تكلفة وصول النفط إلى الأسواق العالمية حتى في حال عدم توقف الإنتاج الفعلي.
يمثل ارتفاع أسعار الطاقة تحديًا جديدًا للاقتصاد العالمي في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية تكافح لاحتواء التضخم. فاستمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويؤخر خطط خفض أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع المستثمرين إلى التحول نحو الأصول الآمنة مثل الذهب والدولار، مع تراجع شهية المخاطرة في الأسواق المالية العالمية.
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن قلقه من تصاعد الهجمات على المنشآت المدنية داخل إيران ودول الخليج، محذرًا من أن استهداف البنية التحتية الأساسية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من صعوبة احتواء الصراع دبلوماسيًا.
في المقابل، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التصعيد، ملوحًا بتوسيع العمليات العسكرية لتشمل مزيدًا من البنية التحتية الإيرانية، بينما أكد مسؤولون أمريكيون أن الضربات الحالية تهدف إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية ومنع استخدامها في تهديد الملاحة الدولية.
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد تقتصر على مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبحت معركة تستهدف مراكز الثقل الاقتصادي في المنطقة، وعلى رأسها منشآت الطاقة والمياه والنقل. ويزيد ذلك من احتمالات تعرض الاقتصاد العالمي لموجة جديدة من التقلبات، خصوصًا إذا امتد التصعيد إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف منشآت إنتاج وتصدير النفط في الخليج.
وفي هذه الحالة، قد تتجاوز تداعيات الأزمة حدود الشرق الأوسط لتؤثر في معدلات التضخم والنمو والاستثمار وأسعار الطاقة على مستوى العالم، ما يجعل احتواء التصعيد ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده العسكرية والسياسية.