تشهد أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر الفترات تقلبًا وتعقيدًا منذ سنوات، مع اقتراب عام 2025 من نهايته وسط مؤشرات واضحة على تسجيل أسعار الخام أكبر خسارة سنوية منذ عام 2020، في وقت تتشابك فيه العوامل الجيوسياسية مع التحولات الهيكلية في سوق الطاقة العالمية، لتفرض واقعًا جديدًا تتراجع فيه قدرة الأزمات وحدها على دعم الأسعار، أمام وفرة غير مسبوقة في المعروض وتباطؤ نسبي في نمو الطلب، وفقا لتقرير نشرته وكالة رويترز.
ورغم الارتفاعات المحدودة التي سجلتها أسعار النفط في جلسات متفرقة بنهاية العام، فإن الاتجاه العام يظل هابطًا، حيث تتجه أسعار خام برنت لتسجيل تراجع سنوي يقترب من 18%، بينما يواجه خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي انخفاضًا سنويًا بنحو 19%، وهو ما يجعل عام 2025 ثالث عام متتالٍ من الخسائر لخام برنت، في أطول سلسلة هبوط سنوي يشهدها على الإطلاق.
برنت ونايمكس يسجلان أطول سلسلة خسائر
هذا الأداء الضعيف لا يعكس فقط ضغوطًا مؤقتة، بل يكشف عن تحول أعمق في توازنات سوق النفط العالمية، حيث لم تعد التوترات الجيوسياسية وحدها كافية لدفع الأسعار إلى مسارات صعودية مستدامة، كما كان الحال في العقدين الماضيين، بل باتت الأسواق أكثر حساسية لعوامل العرض والطلب الفعلية، والسياسات الإنتاجية، والتغيرات في أنماط الاستهلاك العالمي للطاقة.
بدأ عام 2025 بزخم نسبي في أسواق النفط، مدفوعًا بحزمة عقوبات أمريكية مشددة فرضها الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في نهاية ولايته على قطاع الطاقة الروسي، ما تسبب في اضطراب الإمدادات المتجهة إلى كبار المستوردين مثل الصين والهند. كما ساهمت الهجمات التي استهدفت بنية تحتية للطاقة في روسيا، إضافة إلى تعطّل صادرات النفط من كازاخستان، في تعزيز المخاوف بشأن أمن الإمدادات خلال الربعين الأولين من العام.
وفي منتصف العام، عاد العامل الجيوسياسي إلى الواجهة بقوة مع اندلاع مواجهة مباشرة استمرت 12 يومًا بين إيران وإسرائيل في يونيو، وهي مواجهة أثارت مخاوف واسعة بشأن سلامة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم. هذا التوتر دفع الأسعار إلى تسجيل قفزات مؤقتة، إلا أن تلك المكاسب سرعان ما تلاشت، مع عودة التركيز إلى أساسيات السوق التي كانت تشير بوضوح إلى تخمة متنامية في المعروض.
ومع تقدم العام، بدأت الصورة تتغير تدريجيًا، حيث تراجعت قدرة الأزمات السياسية والعسكرية على إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، في ظل تسارع وتيرة الإمدادات العالمية، لا سيما من تحالف أوبك+ والولايات المتحدة، مقابل نمو محدود في الطلب العالمي على النفط، نتيجة تباطؤ النشاط الصناعي في بعض الاقتصادات الكبرى، واستمرار تأثير السياسات الحمائية وارتفاع الرسوم الجمركية على حركة التجارة العالمية.
وكان لقرارات تحالف أوبك+ دور محوري في تشكيل المشهد النفطي خلال 2025، إذ اتجه التحالف إلى تسريع زيادات الإنتاج، وضخ ما يقرب من 2.9 مليون برميل يوميًا إضافية في الأسواق منذ أبريل، في محاولة لاستعادة حصته السوقية ومواجهة تنامي إنتاج النفط الصخري الأمريكي. هذه الزيادات، رغم أنها جاءت تدريجيًا، ساهمت في تعميق الفائض المعروض، خاصة مع عدم تعافي الطلب بالوتيرة التي كانت تتوقعها الأسواق في بداية العام.
وفي الوقت نفسه، واصل إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة لعب دور صمام الأمان للإمدادات العالمية، مستفيدًا من التطورات التكنولوجية وقدرة المنتجين على التحوط عند مستويات سعرية مرتفعة خلال فترات الصعود السابقة. ويشير محللون إلى أن هذا العامل جعل الإمدادات الأمريكية أكثر استقرارًا وأقل تأثرًا بالتقلبات السعرية قصيرة الأجل، وهو ما حدّ من فرص حدوث ارتفاعات حادة ومستدامة في الأسعار، حتى في أوقات التوتر الجيوسياسي.
وتعكس بيانات مجموعة LSEG هذا الواقع بوضوح، إذ تُظهر أن متوسط أسعار خام برنت وغرب تكساس الوسيط خلال عام 2025 هو الأدنى منذ عام 2020، وهو ما يعكس فشل الأسعار في تعويض خسائر السنوات السابقة، رغم سلسلة من الأحداث التي كانت كفيلة، في ظروف مختلفة، بدفع النفط إلى مستويات قياسية.
في هذا السياق، يرى محللو السلع في بنك BNP Paribas أن النظرة المستقبلية لأسعار النفط لا تزال تميل إلى السلبية في الأجل القصير، متوقعين تراجع خام برنت إلى مستوى 55 دولارًا للبرميل خلال الربع الأول من عام 2026، قبل أن يعاود الاستقرار قرب 60 دولارًا للبرميل في بقية العام، مع عودة نمو المعروض إلى مساره الطبيعي وبقاء الطلب العالمي عند مستويات شبه مستقرة.
ويعزو البنك هذه التوقعات إلى مجموعة من العوامل، أبرزها استمرار قوة الإمدادات من الولايات المتحدة، وقدرة المنتجين على الحفاظ على مستويات إنتاج مرتفعة حتى في ظل تراجع الأسعار، إلى جانب تباطؤ الطلب في بعض الاقتصادات المتقدمة، وتأثير التحول التدريجي نحو مصادر الطاقة البديلة والسيارات الكهربائية على استهلاك الوقود الأحفوري.
في المقابل، تظل المخزونات النفطية عامل ضغط إضافي على الأسعار، حيث أظهرت بيانات أولية صادرة عن معهد البترول الأمريكي ارتفاع مخزونات النفط والوقود في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الأخير من العام، وهو ما يعزز المخاوف بشأن ضعف الطلب مقارنة بحجم الإمدادات. وينتظر المستثمرون بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لتأكيد هذه الاتجاهات، وسط قلق متزايد من أن استمرار ارتفاع المخزونات قد يدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع في مطلع 2026.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، لم تغب التوترات عن المشهد، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة من العام تصاعدًا في حدة الخلافات داخل منطقة الشرق الأوسط، مع تجدد الأزمة في اليمن، وازدياد التوتر بين السعودية والإمارات، أكبر منتجي النفط في تحالف أوبك. كما عاد ملف فنزويلا إلى الواجهة، بعد أن أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار على صادرات النفط الفنزويلية، ملوحًا في الوقت نفسه بإمكانية توجيه ضربة جديدة لإيران، في إطار سياسة أكثر تشددًا تجاه خصوم الولايات المتحدة في مجال الطاقة.
ورغم أن هذه التطورات أضافت عنصر عدم يقين إلى الأسواق، فإن تأثيرها ظل محدودًا نسبيًا، في ظل قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن أي تعطّل محتمل في الإمدادات يمكن تعويضه بسرعة من خلال زيادة الإنتاج من دول أخرى، أو عبر السحب من المخزونات الاستراتيجية، وهو ما يعكس تغيرًا جوهريًا في توازن القوى داخل سوق النفط العالمية.
وفي محاولة لاحتواء التراجع السعري، أعلن تحالف أوبك+ تعليق زيادات الإنتاج خلال الربع الأول من عام 2026، على أن يعقد اجتماعه المقبل في الرابع من يناير لتقييم أوضاع السوق واتخاذ قرارات جديدة بشأن مستويات الإنتاج. غير أن معظم المحللين يرون أن هذا التوقف المؤقت قد لا يكون كافيًا لإعادة التوازن، في ظل توقعات واسعة بتجاوز المعروض العالمي للطلب خلال العام المقبل.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن فائض المعروض قد يصل إلى نحو 3.84 مليون برميل يوميًا في 2026، في حين تقدر بنوك استثمارية كبرى مثل غولدمان ساكس الفائض بنحو مليوني برميل يوميًا، وهي مستويات كفيلة بإبقاء الأسعار تحت ضغط، ما لم تلجأ أوبك+ إلى تخفيضات أعمق وأكثر صرامة.
ويرى مارتين راتس، كبير استراتيجيي النفط في مورغان ستانلي، أن حدوث خفض جديد في إنتاج أوبك+ سيعتمد بشكل أساسي على مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة، مشيرًا إلى أن التحالف قد لا يتحرك بقوة ما لم تهبط الأسعار إلى مستويات أوائل الخمسينات للبرميل. وأضاف أن بقاء الأسعار قرب مستوياتها الحالية قد يدفع أوبك+ إلى مواصلة تفكيك التخفيضات السابقة تدريجيًا، بدلًا من العودة إلى سياسة التشديد.
في المقابل، يحذر بعض المحللين من التقليل من شأن العامل الجيوسياسي، معتبرين أن أي تصعيد مفاجئ في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية قد يعيد خلط الأوراق سريعًا. ويؤكد جون دريسكول، المدير التنفيذي لشركة JTD Energy الاستشارية، أن التوقعات السائدة تشير إلى ضعف الأسعار في 2026 وما بعدها، إلا أن تجاهل المخاطر السياسية قد يكون خطأً، خاصة في ظل عودة ترامب إلى الواجهة السياسية وتأثيره المحتمل على سياسات العقوبات والطاقة العالمية.
ويضيف دريسكول أن سوق النفط بات يعيش حالة من التوازن الهش، حيث تكفي صدمة واحدة غير متوقعة لإحداث تقلبات حادة، حتى وإن لم تؤدِّ بالضرورة إلى تغيير الاتجاه العام للسوق على المدى المتوسط.
في المجمل، يعكس الأداء الضعيف لأسعار النفط في 2025 نهاية مرحلة كانت فيها الأزمات الجيوسياسية وحدها كفيلة بدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، وبداية مرحلة جديدة تتسم بوفرة الإمدادات، وتزايد دور الولايات المتحدة كلاعب محوري في السوق، إلى جانب تغير أنماط الطلب العالمي على الطاقة. ومع دخول عام 2026، ستظل أسعار النفط رهينة لمعادلة معقدة تجمع بين قرارات أوبك+، وإنتاج النفط الصخري، والسياسات التجارية والعقوبات الدولية، في وقت يبدو فيه أن الأسواق تستعد لعام آخر من التقلبات، دون توقعات واضحة بعودة قوية للأسعار في الأجل القريب.