شهادتى للتاريخ
رغم أننى نادرًا ما أتوقف عند ما يُكتب عن تاريخ التكنولوجيا، وتقنيات الاتصال السريع والإنترنت اللاسلكى، فإننى فى هذه المرة أرضخ أمام إصرار الأصدقاء والمحبين ممن حولى لأتحدث وبشكل مفصل عن تاريخ تقنية الواى فاى السريع باعتبارى أحد مؤسسى هذه التكنولوجيا وصاحب أهم براءة اختراع باعتراف المجتمع الدولى بل ويعتبروننى مع صديقى ميشيل فتوش الأب لتطوير تلك التقنية فى العالم أجمع.
كان غريبا حقا بعد مرور كل هذه السنوات وما حققناه من نجاحات واعترافات دولية أن تبقى بعض المنصات العالمية وعلى رأسها «ويكي»، لا تزال تنسب الفضل الأساسى فى تطوير الواى فاى السريع إلى فريق أسترالى بقيادة جون أوسوليفان، متجاهلة حقائق موثقة ومعروفة داخل مجتمع الاتصالات منذ التسعينيات.
ما أقدمه هنا ليس جدلاً، بل توثيق لرحلة علمية بدأت قبل ثلاثة عقود، ولم تكن سهلة. ففى عام 1992، قدّمت أنا وزميلى وصديق دراستى فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ميشيل فتوش، حلًا عبقريا وغير مسبوق لمشكلة الاتصال اللاسلكى عالى السرعة، عبر تطوير الاسترداد الرقمى للتردد. كنا حينها الوحيدين الذين تحدثوا عن هذا الحل وقمنا بتقديم النموذج العملى الذى أبهر اللجنة بقدرته على نقل بيانات سريعة جدا من خلال الواى فاى وتمكننا من تسجيل براءات فى مطلع عام 1993، برقم US 5.282.222، وذلك قبل أكثر من ثمانية أشهر من إيداع براءات أوسوليفان وفريقه.
هذا الفارق الزمنى ليس تفصيلاً؛ بل هو ما يعطى الأولوية القانونية والتقنية لمن قدّم الحل أولًا. وبراءتنا هذه استُشهد بها عالميًا أكثر من 730 مرة حتى اليوم، مقابل نحو 136 مرة لبراءة أوسوليفان US5487069A. أما الشركات الكبرى، فعندما بدأت نزاعات الواى فاى الشهيرة عام 2007، لم تستخدم أى شركة براءة أوسوليفان كمرجع سابق ضد براءتنا، وهو ما يوضح بجلاء أى الاختراعين كان الأساس فى التقنيات المستخدمة فعليًا.
وتاريخيًا، تلقيت أنا وميشيل استفسارًا رسميًا من «IEEE» عام 1998 حول نيتنا بشأن ترخيص براءتنا للمصنّعين. كانت تلك إشارة مبكرة إلى أن المجتمع العلمى يدرك أن حلنا هو الأساس الذى بُنيت عليه تقنيات الواى فاى السريع المنتشر اليوم. لكن ضغوط السوق العالمية، وتحالفات الشركات، والدعم الحكومى الذى تلقته أستراليا، جعل نَسب الفضل يتحول تدريجيًا فى اتجاه آخر.
ورغم عشرات المعارك القانونية والتجارية التى خضناها لتثبيت الحقائق، فإن ما أعتز به حقًا ليس فقط النجاح العلمى، بل الشراكة الإنسانية التى صنعت هذا النجاح. فقد كنا — مسلما ومسيحيا، مهاجرين شابين يحملان حلمًا واحدًا — نموذجًا بسيطًا لما يمكن أن يقدمه العقل المصرى عندما تتوفر له بيئة عادلة.
وفى هذا السياق، من المهم الإشارة إلى شخصية لها مكانة خاصة فى تاريخ الاتصالات، وهى الممثلة والمخترعة هيدى لامار، كثيرون يعرفونها كنجم سينمائى، لكن قلة فقط تدرك أنها كانت من أوائل من وضعوا اللبنات التقنية التى مهّدت لتطور الاتصالات اللاسلكية الحديثة. براءة اختراعها عام 1942 فى تقنية القفز الترددى كانت خطوة جريئة فى مجال لم يكن قد اكتمل بعد.
وعندما أسست شركتى Wi-LAN فى كندا، تعاملنا مبكرًا مع ملف اختراعها، وكنا الجهة الوحيدة فى العالم التى دفعت لها تعويضًا مستحقًا رسميًا عن ذلك الاختراع، قبل رحيلها. كان ذلك بالنسبة لى أكثر من إجراء قانوني، كان إنصافًا لإنسانة سبقها الزمن كثيرًا، ورد اعتبار لعلم يجب ألا يُنسى صاحبه حتى لو مر عليه نصف قرن من التجاهل.
وحين توفيت هيدى لامار، كانت قد حصلت أخيرًا على قدر من التقدير المادى والمعنوى الذى حُرمت منه طويلًا.
لم تكن رحلتى مع الواى فاى مجرد إضافة تقنية، بل رحلة صبر ومعارك وتراكم خبرات. واليوم، فى الوقت الذى يسعى فيه العالم إلى إنصاف العلماء واستعادة حقوق الملكية الفكرية، أرى أن إعادة سرد القصة كما حدثت بالفعل ليست دفاعًا ولا محاولة للحصول على مجد متأخر، بل احترام للحقيقة ولأجيال من الباحثين الذين يستحقون أن تُذكر أسماؤهم حيث يجب أن تُذكر.
* مخترع الواي فاي السريع
د.حاتم زغلول