يشهد قطاع التأمين المصرى تحولًا متسارعًا نحو دمج مفاهيم الاستدامة فى عملياته التشغيلية وإستراتيجياته الاستثمارية، فى ظل تصاعد التحديات البيئية والمناخية التى فرضت على الأسواق العالمية إعادة النظر فى دور المؤسسات المالية تجاه البيئة والمجتمع.
ومع تبنى الدولة لرؤية مصر 2030 الهادفة إلى التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة وكفاءة، برز مفهوم «التأمين الأخضر» كأحد أهم الأدوات الداعمة لهذا التوجه، إذ لم يعد يقتصر دور التأمين على تعويض الخسائر المالية فحسب، بل أصبح وسيلة لتعزيز التنمية المستدامة ودعم التحول إلى ممارسات اقتصادية مسؤولة بيئيًا.
تحول إستراتيجي
تتجه شركات التأمين المصرية بخطى متدرجة نحو تبنى هذا المفهوم من خلال تطوير منتجات جديدة تُغطى المخاطر المناخية وتشجع الأنشطة الصديقة للبيئة مثل الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، بالتوازى مع تطبيق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) فى عملياتها الاستثمارية، ويأتى هذا التحول بدعم من الهيئة العامة للرقابة المالية والاتحاد المصرى لشركات التأمين، اللذين أطلقا مبادرات وبرامج تدريبية لنشر ثقافة الاستدامة وتعزيز جاهزية السوق للتحول الأخضر.
وقال محمد صلاح، رئيس قسم التأمين البنكى والأخطار الخاصة بإحدى شركات التأمين والباحث فى التنمية المستدامة بمعهد التخطيط القومى، إن مفهوم التأمين الأخضر يقوم على تشجيع الممارسات التى تدعم الحفاظ على البيئة وتحد من الانبعاثات الكربونية، موضحا أن هذا النوع من التأمين يمنح مزايا إضافية للشركات التى تتبنى أنشطة صديقة للمناخ من خلال أسعار تفضيلية أو شروط ميسرة، مشيرًا إلى أن الفرق بين التأمين الأخضر والتقليدى هو أن الأول يهدف إلى دعم التنمية المستدامة وتقليل المخاطر البيئية.
دمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG)
وأكد «صلاح» أن تطبيق معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) أصبح شرطًا للتنافس فى السوق، موضحًا أن المستثمرين والبنوك والجهات التنظيمية باتوا يشترطون التزام الشركات بتلك المعايير، كما أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية دليلًا للإفصاح عن ممارسات الاستدامة لتعزيز الشفافية وجذب الاستثمارات.
تطبيقات عملية
وكشف أن مفهوم التأمين الأخضر فى السوق المصرية يشير إلى مجموعة من المنتجات التأمينية التى تستهدف دعم الاستدامة البيئية وتقليل الآثار السلبية للتغير المناخى على كوكب الأرض، ومن أبرز هذه الأنواع التأمين الزراعى الذى يهدف إلى حماية المزارعين من الخسائر الناتجة عن التقلبات الجوية المفاجئة مثل الجفاف أو الفيضانات، مما يعزز استقرار الإنتاج الزراعى ويحافظ على الأمن الغذائى.
كما يشمل التأمين على مشروعات الطاقة المتجددة مثل محطات الطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان وتوربينات الرياح فى جبل الزيت، حيث يوفر تغطية ضد الأعطال أو الأضرار التى قد تؤثر على استمرار عمل هذه المشروعات الحيوية.
وأوضح أن ذلك يأتى أيضًا تأمين المسؤولية البيئية، الذى يغطى الأضرار الناتجة عن التلوث الصناعى أو التسربات الكيميائية، ليحمل الشركات مسؤولية أكبر تجاه البيئة ويشجعها على تبنى ممارسات إنتاجية نظيفة، ومن بين أبرز صور التأمين الأخضر كذلك التأمين على المركبات الكهربائية، وهو قطاع متنامٍ من المتوقع أن يشهد انتشارًا واسعًا خلال السنوات المقبلة مع توسع الدولة فى البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية.
لكن رغم هذه التطورات، أشار «صلاح» إلى وجود عدة تحديات تواجه تطبيق التأمين الأخضر فى مصر، أبرزها ضعف الوعى العام بأهمية المنتجات المستدامة سواء لدى العملاء أو بعض العاملين بالقطاع، بالإضافة إلى نقص البيانات الدقيقة الخاصة بالمخاطر المناخية، مما يحد من قدرة الشركات على تصميم منتجات متخصصة، كما أن هناك حاجة إلى تشريعات جديدة وحوافز مالية تُشجع شركات التأمين على طرح منتجات خضراء.
وأكد «صلاح» أن الهيئة العامة للرقابة المالية واتحاد شركات التأمين يلعبان دورًا مهمًا فى دعم هذا التحول من خلال إطلاق برامج تدريبية وبناء شراكات مع مؤسسات دولية متخصصة فى الاستدامة، لافتا إلى أن التحول الرقمى يمثل إحدى الركائز الأساسية لتعزيز مفهوم التأمين الأخضر، إذ أسهمت الحلول الرقمية فى تقليل الاعتماد على الورق، وتقديم الخدمات إلكترونيًا بما يحقق كفاءة بيئية أكبر، فيما تساهم تقنيات الذكاء الاصطناعى وإنترنت الأشياء فى تطوير منتجات التأمين الزراعى والمناخى من خلال رصد المؤشرات البيئية وتحليلها بشكل لحظى ودقيق.
التوازن البيئي
من جانبها، قالت باسمة مندور، نائب رئيس قطاع منطقة القناة بشركة «ثروة للتأمين»، إن منتجات التأمين الخضراء تمثل أداة لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادى وحماية البيئة، وأوضحت أن هذه المنتجات تشمل تأمين السيارات الكهربائية، والمبانى المستدامة، والطاقة المتجددة، والمسؤولية البيئية، وأضافت أن الفوائد تشمل الحد من الخسائر البيئية ودعم الاقتصاد الأخضر وتحسين صورة الشركات.
وأشارت «باسمة» إلى أن التحول نحو التأمين الأخضر يواجه تحديات مثل ضعف الوعى العام ونقص البيانات وارتفاع تكاليف التنفيذ، لكنها أكدت أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعًا تدريجيًا فى إدماج مبادئ الاستدامة داخل القطاع.
وأكدت أن التأمين الأخضر هو أحد فروع التأمين المستدام الذى يهدف إلى دعم التنمية الاقتصادية مع الحفاظ على البيئة.
وأوضحت أنه يقوم على تقديم منتجات وخدمات تأمينية تراعى الأثر البيئى، وتشجع الأفراد والشركات على تبنى ممارسات صديقة للمناخ مثل استخدام الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، ويغطى هذا النوع من التأمين المخاطر الناتجة عن التغيرات المناخية والتلوث والكوارث الطبيعية.
وفى مصر، بدأ قطاع التأمين فى تبنى هذا المفهوم بدعم من الهيئة العامة للرقابة المالية والاتحاد المصرى للتأمين، ضمن جهود تطبيق معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) وتعزيز التحول نحو اقتصاد أخضر ومستدام.
دعم الاستثمار المستدام
وأكد الدكتور جمال شحاتة، رئيس لجنة التعليم بالمعهد المصرى للتأمين أن التأمين الأخضر يمثل ركيزة لتحقيق الاستدامة فى السوق المصرية، موضحًا أنه يدعم المشروعات الخضراء ويعزز المرونة المناخية من خلال تخفيف الخسائر الناتجة عن الكوارث، كما يسهم فى تحسين مكانة قطاع التأمين وتعزيز دوره فى التنمية المستدامة.
وأوضح «شحاتة» أن التأمين الأخضر يفتح أسواقًا جديدة فى مجالات الطاقة المتجددة والمشروعات المستدامة، ويعزز الاستثمار فى السندات الخضراء، مشيرًا إلى أنه أصبح أداة إستراتيجية لدعم التحول الاقتصادى وبناء اقتصاد مصرى أكثر مرونة واستدامة فى مواجهة التحديات البيئية والمناخية.
وأشار إلى أن السندات الخضراء هى أدوات مالية تصدرها الحكومات أو المؤسسات لتمويل مشروعات صديقة للبيئة، مثل الطاقة المتجددة، وإدارة المخلفات، والمبانى المستدامة، والنقل النظيف، وتُعد إحدى الركائز الرئيسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ تتيح جذب استثمارات طويلة الأجل تدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية.
وأكد أنه فى مصر، بدأت السندات الخضراء تكتسب زخمًا متزايدًا بعد أن أصدرت وزارة المالية أول سند سيادى أخضر فى المنطقة بقيمة 750 مليون دولار عام 2020، مما فتح الباب أمام المؤسسات المالية، ومن بينها شركات التأمين، للاستثمار فى هذا النوع من الأصول المستدامة.
وأكد أن قطاع التأمين يرتبط بالسندات الخضراء من خلال دوره الاستثماري؛ فشركات التأمين تُعد من أكبر المستثمرين المؤسسيين فى العالم، وهى تبحث دائمًا عن أدوات استثمارية آمنة ومستدامة تدر عائدًا مستقرًا على الأجل الطويل، وتتيح السندات الخضراء لشركات التأمين فرصة توجيه استثماراتها نحو مشروعات تدعم البيئة وتقلل من المخاطر المناخية، بما يتماشى مع معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) .
وكشف أن الاستثمار فى السندات الخضراء يسهم فى تعزيز قدرة شركات التأمين على تحقيق الاستدامة المالية والبيئية فى آن واحد، ويدعم توجه الدولة نحو الاقتصاد الأخضر ورؤية مصر 2030، مما يجعلها أداة إستراتيجية لتحقيق التكامل بين التمويل المستدام والتأمين الأخضر.
محتوى للمشتركين فقط
اشترك الآن للحصول علي كافة الأخبار الحصرية بالإضافة
لإشتراك النسخة الرقمية