شهد قطاع التأمين في مصر خلال عام 2024 طفرة نوعية غير مسبوقة، على المستويين المالي والتشريعي، وفقًا لتقرير صادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية، كشف عن مؤشرات أداء قياسية لشركات التأمين، بالتوازي مع صدور قانون التأمين الموحّد ودخول السوق مرحلة جديدة من التنظيم والحوكمة والتحول الرقمي.
نمو غير مسبوق في المؤشرات المالية
أظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن سوق التأمين المصري واصل تحقيق معدلات نمو قوية خلال الفترة من 2022 إلى 2024، حيث ارتفع إجمالي الأصول لدى شركات التأمين بنسبة بلغت نحو 39% ليصل إلى 343.2 مليار جنيه في عام 2024، مقارنة بـ242.2 مليار جنيه في عام 2023.
كما حققت الاستثمارات نمواً موازياً بنسبة 39% لتبلغ 298.1 مليار جنيه، وهو ما يعكس توسّع الشركات في توظيف أموالها بشكل فعّال داخل الاقتصاد الوطني، بما يدعم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق والمستفيدين.
أما حقوق المساهمين فقد شهدت قفزة كبيرة بلغت 62% لتصل إلى 131.4 مليار جنيه في عام 2024، وهو ما يؤكد تحسّن الملاءة المالية للشركات وزيادة رؤوس أموالها المدفوعة، بينما ارتفعت حقوق حملة الوثائق بنسبة 24% لتسجل 159 مليار جنيه، ما يدل على نمو قاعدة العملاء المؤمن عليهم وتوسع الشركات في المنتجات والخدمات التأمينية.
كذلك، ارتفع إجمالي الأقساط المحصلة بنسبة 30% لتصل إلى 82.3 مليار جنيه في عام 2024، مقابل 61.4 مليار جنيه في عام 2023، وهو ما يعكس زيادة الطلب على خدمات التأمين وتوسع السوق في فروع جديدة، أبرزها التأمين الطبي والتأمين متناهي الصغر.
في المقابل، بلغت قيمة التعويضات المسددة نحو 36.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 26%، ما يشير إلى التزام الشركات تجاه عملائها وارتفاع حجم التعويضات المنصرفة عن الحوادث والمطالبات التأمينية.
دلالات النمو: ثقة متزايدة واستقرار مالي
توضح هذه الأرقام أن قطاع التأمين المصري بات أحد القطاعات المالية الأكثر استقرارًا ونموًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بخطط الإصلاح التنظيمي التي تنفذها الهيئة العامة للرقابة المالية.
فالزيادة في الأصول والاستثمارات وحقوق المساهمين تعكس تحسن الملاءة المالية للشركات وقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية، بينما يشير ارتفاع الأقساط والتعويضات إلى زيادة الثقة بين المتعاملين وارتفاع مستوى الوعي بأهمية التأمين كأداة لحماية الأفراد والمشروعات.
إصدار قانون التأمين الموحّد: نقلة تشريعية كبرى
من أبرز محطات عام 2024 صدور قانون التأمين الموحّد رقم 155 لسنة 2024، الذي يمثل أكبر إصلاح تشريعي يشهده القطاع منذ عقود.
فالقانون الجديد دمج جميع القوانين السابقة المنظمة لأنشطة التأمين وإعادة التأمين وصناديق التأمين الخاصة في إطار موحد شامل، وهدف إلى إعادة هيكلة سوق التأمين المصري وفق أحدث المعايير العالمية.
يمنح القانون الهيئة العامة للرقابة المالية سلطة كاملة في تأسيس وترخيص شركات التأمين وإعادة التأمين، والإشراف على أنشطتها وتنظيم المهن والخدمات المرتبطة بها. كما نص على إخضاع جميع الكيانات العاملة في القطاع لرقابة الهيئة، بما في ذلك وسطاء التأمين وخبراء المعاينة والتقييم وشركات إدارة المطالبات.
ويؤكد القانون على حماية حقوق حملة الوثائق والمستفيدين، إذ أقرّ اختصاص المحاكم الاقتصادية حصريًا بنظر جميع المنازعات التأمينية، بهدف تحقيق العدالة السريعة وتقليل النزاعات القضائية. كما ألغى مجموعة من المواد القديمة في القانون المدني لتوحيد الإطار القانوني المنظّم لعقود التأمين.
التحول الرقمي وتنظيم المواقع الإلكترونية
وفي إطار تنفيذ أحكام القانون الموحّد، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية في عام 2025 الكتاب الدوري رقم (1) بشأن تنظيم الترخيص بإنشاء وتشغيل المواقع الإلكترونية للشركات العاملة في التأمين.
ويهدف القرار إلى إلزام الشركات بتفعيل منصات إلكترونية مرخّصة من الهيئة، بما يتيح تقديم الخدمات التأمينية الرقمية بشكل آمن وشفاف، وتعزيز التحول نحو المعاملات الإلكترونية الكاملة في السوق.
هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية الهيئة لتحويل سوق التأمين المصري إلى سوق رقمي متكامل، يسمح بإصدار الوثائق وسداد الأقساط وإدارة المطالبات إلكترونيًا، بما يواكب التطورات العالمية في صناعة التأمين الرقمية.
معايير الملاءة المالية وحماية المتعاملين
ولضمان قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها، أصدر مجلس إدارة الهيئة قرارًا رقم (148) لسنة 2025 بشأن تحديد معايير الملاءة المالية لشركات التأمين، بما يضمن التوازن بين رأس المال المتاح والمخاطر التي تتحملها الشركات.
القرار يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي للقطاع، وضمان حماية حقوق حملة الوثائق والمستفيدين من الخدمات التأمينية، خاصة في ظل التوسع في التأمينات الجديدة مثل التأمين متناهي الصغر والتأمين الزراعي.
وفي السياق ذاته، أصدرت الهيئة قرارًا رقم (77) لسنة 2025 الذي يحدد ضوابط حماية العملاء وفحص الشكاوى المقدمة من المتعاملين مع الشركات والجهات العاملة في القطاع.
ونص القرار على إنشاء إدارة مستقلة داخل الهيئة لدراسة الشكاوى بعدالة وشفافية، مع منح العميل الحق في التظلم أمام لجنة متخصصة حال عدم رضاه عن مستوى الخدمة، وذلك بهدف تعزيز ثقة الجمهور في شركات التأمين والحد من النزاعات القانونية.
قطاع أكثر تنظيمًا وشفافية
تؤكد هذه القرارات مجتمعة أن الهيئة العامة للرقابة المالية تسير بخطى ثابتة نحو تطوير الإطار المؤسسي والتشريعي والتنظيمي لسوق التأمين المصري، بما يعزز كفاءة السوق ويضمن حوكمة أفضل للعمليات التأمينية.
فمن خلال الجمع بين التشريعات الحديثة والتحول الرقمي وآليات حماية المستهلك، يسعى القطاع إلى تحقيق توازن مستدام بين النمو الاقتصادي وحماية الحقوق.
خاتمة: نحو سوق تأميني متطور ومستدام
مع صدور قانون التأمين الموحّد واستمرار الإصلاحات التنظيمية، يدخل قطاع التأمين المصري مرحلة جديدة من النضج المؤسسي، تجعله أكثر قدرة على دعم خطط الدولة لتحقيق الشمول التأميني والمالي.
النمو القوي في المؤشرات المالية يعكس تحسن ثقة المستثمرين والعملاء على حد سواء، بينما يفتح التحول الرقمي الباب أمام تطوير منتجات مبتكرة تواكب احتياجات الأفراد والشركات في الاقتصاد المصري الحديث.
إن ما تحقق خلال عامي 2024 و2025 يؤكد أن القطاع التأميني المصري يسير في الاتجاه الصحيح، متسلحًا بإطار قانوني حديث، وهيئة رقابية فاعلة، وشركات تمتلك القدرات ا
لمالية والتكنولوجية اللازمة للمنافسة والنمو المستدام.